من مذكراتي : كلمة من بلقرن .. تجلت فيها روعة البيان القرآني
كنت في رحلة انا وبعض اصحابي احدهم من نجد والاخر من شمران و رجال من قبائل اخرى فسألني الشمراني عن مكان شيء ما ليأتينا به فقلت له من ضمن الحديث وانا اوصفه المكان نعم "ثم " فقال لي النجدي ما معنى كلمة "ثم" فقلت هي ظرف مكان بمعنى "هناك" فقال سبحان الله الآن فهمت قول الله عز وجل ﴿وَلِلَّهِ المَشرِقُ وَالمَغرِبُ فَأَينَما تُوَلّوا فَثَمَّ وَجهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَليمٌ﴾ [البقرة: 115]
يعني اينما تولوا فهناك وجه الله فسألته ألم تسمع بهذه الكلمة على السنة الناس من قبل ؟ فقال : لا والله اول مرة اسمعها منكم ، وحينها اتضح لي ان كلمة "ثم" من خواص لغة بلقرن وما حولها من القبائل و التي اختارها رب العزة والجلال ليدبج بها هذه الاية الكريمة من سورة البقرة واية اخرى كذلك من سورة البقرة واتضح لي ان "ثم" كلمة عربية فصيحة.
من مكة إلى بلقرن : مفارقة عجيبة
وهنا استوقفتني مفارقة مذهلة؛ فنبينا محمد ﷺ نشأ في مكة ولغته لغة قريش ، وليس في لغة قريش الشائعة كلمة (ثم)، ومع ذلك نزل القرآن بها بلسان عربي مبين ليجمع بين دفتيه درر لغة قبائل الضاد كافة ، وقد تأملت بعض الكلمات الاخرى في القرآن الكريم فوجدتها من صميم لغة بلقرن وما حولها ومنها على سبيل المثال لا الحصر كلمت "ما غَرَّكَ " في قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الإِنسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَريمِ﴾ [الانفطار: 6]
فحقيقة هذه الكلمة وان كان المفسرون فسروها بمعنى : تغتر ، الا ان الذي اراه مناسبا للسياق انها بمعنى لغة بلقرن الدارجة اي :"ما اعمق واشد علمك ومعرفتك بالله " ومن الكمات الخاصة بقبيلة بلقرن وما حولها كذلك كلمة"ما يَعبَأُ بِكُم" في قوله تعالى :"﴿قُل ما يَعبَأُ بِكُم رَبّي لَولا دُعاؤُكُم فَقَد كَذَّبتُم فَسَوفَ يَكونُ لِزامًا﴾ [الفرقان: 77] فهذه الكلمة تعرفها قبائل بلقرن وماحولها تلقائيا فلا تحتاج منهم الى كبير عناء حتى يعرفوا معناها.
وها نحن بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، نرى رجلًا قادماً من نجد يستغرب من استعمالنا لكلمة قرآنية فصيحة "ثم" بالمعنى ذاته الذي وردت به في كتاب الله!
وهنا يتجلّي جانبًا مضيئاً من عظمة لغة الضاد الخالدة؛ فهي لغة واسعة غنية، تآلفت فيها جميع لغات ولهجات العرب ، وتفرّعت عن أصل لغوي عريق. فجاء القرآن الكريم ليجمع بين دفتيه كل اللغات واللهجات العربية في أعلى درجات الفصاحة والبيان، فأحكم ألفاظه ومعانيه ومبانيه في سبك معجز منعدم نظيره.
إعجاز متكامل
والأعجب من ذلك أن إعجاز القرآن لا يكمن في ألفاظه منفردة، ولا في معانيه مجردة، وإنما في اجتماع اللفظ، والمعنى، والنظم، والبيان في بناء متين لم يستطع البشر على مر العصور الإتيان بمثله.
فكل كلمة جاءت في موضعها الدقيق، وكل تركيب أدّى معناه بدقة متناهية، وكل تقديم أو تأخير وراءه حكمة بالغة، وكل لفظة تحمل من الدلالة على قدر السياق الذي احتضنها.
وقد صدق من قال واصفاً القرآن الكريم :
حروفُهُ دررٌ، ومعناهُ منهلٌ … ونظمُهُ فوقَ الكلامِ بيانُ
إذا تلا القارئُ آياتِ الهدى … خشعتْ لها الأرواحُ والآذانُ
لفظٌ بديعٌ، والمعاني روضةٌ … والنظمُ فيه محكمٌ وبيانُ
عجزَ الفصحاءُ عن شبيهِ كلامِه … فهو كتاب الله وحجّةُ الرحمن
والقرآن نفسه تحدى الله به الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بشيء من سوره، فقال سبحانه:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88] وقال سبحانه وتعالى :
﴿كِتابٌ أُحكِمَت آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَت مِن لَدُن حَكيمٍ خَبيرٍ﴾ [هود: 1]
هكذا بدأت القصة بكلمة عابرة سمعها رجل من نجد وهو يتأمل معناها ليجدها غضة طرية على السنتنا كما أنزلت على خاتم المرسلين من رب العزة والجلال لتظهر عظمة الإعجاز القرآني في لغته وبيانه وسعه المامه بلغات ولهجات العرب وان تباعدت المسافات بين مكة وسائر بقاع قبائل العرب في الجزيرة العربية ، وهذا شرف عظيم حق لنا ان نفخر ونفاخر به وصدق الله القائل ﴿وَإِنَّهُ لَذِكرٌ لَكَ وَلِقَومِكَ وَسَوفَ تُسأَلونَ﴾ [الزخرف: 44] اي ان هذا الوحي وهذا القرآن وهذه الرسالة وهذا الدين شرف وعز لك يا محمد ولقومك العرب وسوف تسألون ايها العرب يوم القيامة عما قدمتموه لخدمة ونصرة هذا الدين الذي فيه شرفكم وعزكم ومجدكم بين الامم وقد صدق الفاروق رضي الله عنه حينما قال :"نحن قوم اعزنا الله بالاسلام فاذا ابتغينا العزة في غيره اذلنا الله ".
اللهم آمنا بك و بكتابك،فاجعلنا من أهل القرآن الذين هم اهلك وخاصتك الذين يتدبرونه ويعملون بما ورد فيه .
ودمتم بود




التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً