كلمات من بلقرن تجلّت فيها روعة البيان القرآني رقم(2)
من التأمل في إعجاز البيان القرآني إلى التأصيل العلمي
بعد أن لقي مقالي السابق قبولًا واسعًا وصدىً طيبًا لدى علماء ومثقفي بلقرن ومن حولها، تعيّن عليّ أن أمضي قُدمًا لأتطرق إلى التأصيل العلمي للاستعمال اللغوي في تفسير القرآن العظيم، مبينًا أبرز القواعد التي يعتمد عليها أهل العلم في تفسير القرآن الكريم ، والتي تتلخص فيما يأتي:
أولًا: تفسير القرآن بالقرآن
مثال ذلك: تفسير قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]، فقد فُسّر الله "الذين انعم عليهم" بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69].
ثانيًا: تفسير القرآن بالسنة النبوية
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]، فالرسول صلى الله عليه وسلم فسّر «الظلم» بالشرك، كما في الصحيحين.
ثالثًا: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين
مثال ذلك: ما أُثر عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 31]، بأن «الأبّ» هو ما تنبته الأرض مما تأكله الأنعام.
رابعًا: تفسير القرآن باللغة العربية (وهو مناط بحثنا)
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: 1]. فقد روى الإمام الطبري في تفسيره عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: «كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: هي بئري وأنا فطرتها؛ أي: أنا ابتدأتها وشققتها».
ومن هنا أدرك ابن عباس معنى «فاطر»، أي خالقها ومبتدعها ابتداءً. ومثله قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1]، أي انشقت. فهذا ابن عباس، حبر الأمة وترجمان القرآن، على جلالة قدره ، لم يتبين معنى هذه المفردة إلا من لغة القبائل العربية ببيان ذلك الأعرابي؛ لأن هذه الكلمة لم تكن جارية على السنة قريش ، مما يبرهن على أن اللغة العربية بكنوزها هي مرجع أصيل لفهم القرآن الكريم ، وهكذا بقي الإعجاز اللغوي منثورًا في لهجات القبائل العربية إلى قيام الساعة؛ علمه من علمه، وجهله من جهله ، ولا شك أن القرآن قد توسع في استعمال لغات ولهجات القبائل العربية؛ فقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقرأني جبريل على حرف، فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف». وقد بيّن الإمام السيوطي في «الإتقان في علوم القرآن» أن من المراد بالأحرف السبعة هي السبع اللغات من لغات العرب، وهي لغة قبائل: قريش، وهذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر.
وذكر العلماء أن الحكمة من ذلك هي تسهيل تلاوة القرآن وتيسير فهمه على الأمة، وأُضيف إلى ذلك مقصد عظيم، وهو بيان وجه الإعجاز اللغوي؛ إذ اختار الله عز وجل كلمات منتقاة من شتى لهجات القبائل العربية، وجعلها في سياق آي الذكر الحكيم، ليدلل هذا التنوع البديع على أن القرآن ليس بكلام بشر، ولا من صنع محمد القرشي عليه الصلاة والسلام، بل هو كلام رب العالمين، المحيط علمًا بجميع لغات ولهجات القبائل العربية على اختلافها وتباعدها.
من بلقرن إلى آفاق القرآن
حين تقودنا المفردات المحلية إلى آيات الكتاب العزيز ، لقد كان من دواعي سروري أن مقالي الأول لم يقف عند حدود الإعجاب، بل فتح أمام اعين بعض الباحثين من بلقرن بابًا للتقصي والتتبع، وحفّزهم إلى البحث عن مفردات اخرى للغة قبيلة بلقرن وما حولها في مفردات القرآن الكريم. وقد اطلعني بعض الاخوة على ان بعضهم قد توصل الى أكثر من إحدى عشرة كلمة من لغة بلقرن وما حولها ، سوى الكلمات التي أشرت إليها في مقالي السابق. وهذا أمر يستحق العناية والإشادة.
ومما وجدته كذلك من كلام قبيلة بلقرن في كتاب الله العزيز ، تلك العبارة البليغة التي يرددها أحدهم عندما يريد أن يؤكد صدق مقولته بقوله: «إي وربي»، وهي التي وردت على سياقها في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: 53].
وهذا يشير إلى أن قبيلة بلقرن وما حولها عرب أقحاح، فصحاء بلغاء، يصدق فيهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأجدادهم الأزد الذين وفدوا عليه، بعد ان أُعجب بحسن منطوقهم وفصاحتهم قائلا في وصفهم : «حُكَماءُ علماءُ، كادوا من صِدقِهم أن يكونوا أنبياءَ» فخلدها لهم التاريخ بمداد من ذهب.
طرائف لغوية من ذاكرة الأسفار من مجالس بيشة إلى أمواج مسبح جدة
يتبين فيها مدى ثراء لغات قبائل العرب وتفاوتها وتنوعها ، ومما دونته في مذكراتي حينما كنت في العاشرة من عمري؛ إذ كنت في مدينة «بيشة»، جالسا في مجلس رجال مع والدي ، أطال الله في عمره على طاعته، وكنا في باحة البيت كعادة اهل البادية فقال المضيف لابنه: «رح جب القهوة»، فقام الولد يمشي الهوينا، فرفع والده صوته قائلًا له: «اجمح، اجمح»، فانطلق الولد مسرعًا!
فعلمت حينها أن معنى «اجمح» أي «أسرع»، وقد عجبت من هذه الكلمة التي لم أسمعها في لغة قومي بلقرن من قبل، إلى أن وجدتها لاحقًا في قوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: 57] فكلما قرأتها في وردي اتذكر مقولة ذلك الرجل لابنه "اجمح".
ومما وجدته ايضا كلمة من مأرب وردت في القرآن الكريم
اكتشفت مصدرها عندما كنت أسبح في أحد مسابح الأندية القريبة من منزلي بجدة، فسمعت شابًا يلهث من عناء السباق في السباحة وهو يقول لصاحبه: «بالله عليك، ما لُغوبت!»
فاستوقفتني هذه الكلمة الغريبة على سمعي في ذلك السياق، فالتفتُّ إليه وسألته: «ماذا قلت؟»
فقال: «قلت لصاحبي: بالله عليك، ما لُغوبت».
فقلت: «وما معنى لُغوبت؟»
فقال باعتزاز ابن البادية والحضارة العريقة: «يعني: ما تعبت».
فسألته: «من أيّ البلاد أنت؟»
فقال: «من أهل اليمن، من مأرب».
فقلت له متهلّلًا: «وهل تعلم أن كلمة (لُغوب) كلمة عربية فصيحة وردت في القرآن الكريم مرتين؟»
فاستغرب وقال باندهاش: «أين؟!»
قلت: في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: 38]، وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: 35].
واللُّغوب في لغة العرب تعني: التعب والإعياء والنصب، ولم تكن من لهجات قريش الشائعة، ومع ذلك نزل بها القرآن بلسان عربي مبين.
من مفردات القبائل إلى إعجاز التنزيل
حين تتلاقى ذاكرة اللغة مع نور الوحي
هكذا بدأت القصة بكلمات عابرة، ابتدأت من بيشة، وانتهت بشاب من مأرب وهو يصارع أمواج المسبح، لتأخذني إلى شواطئ التأمل العميق في إعجاز القرآن البياني، الذي لا يسعنا أمامه إلا أن نقول خاضعين: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
اللهم آمنا بكتابك، فاجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، الذين يتدبرونه ويعملون بما فيه.
دمتم بودّ ولطف الرؤوف الودود.
أمستردام - هولندا





التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً