عَون .. رَحيلٌ أثقلَ القلوب
كتبه : أبو مشاري
كلنا ندركُ أن هذه الدنيا ما هي الا مَمَرٌّ إلى دارِ مَقَرّ ، وأن كل مَن على الأرضِ فهو فَانٍ ولن يبقى الا وجهُ ربِنا ذو الجلال والإكرام ..
لكن - ونحن بَشَر - نشعُرُ بوقْع الرحيلِ علينا كالصواعِق ، فحين يغيب شخصٌ أعتادَ الناسُ أن يجدوا في حضورِه البِشْر ، وفي حديثِه الأُنس ، وفي يدِه الكرم ، وفي روحِه اللطْف ، وفي وجودِه خِفَّةَ النفْس ، وفي تعامله الرُقيَّ والإحترام للناس ، فحينئذٍ لاشك أن المصابَ سيكون جَلل ..
هكذا جاءت وفاةُ العميد عون آل شليل خبرًا ثقيلًا على القلوب ، وصعبًا على التصديق إلا لمؤمنٍ عَرَف الحال والمَآل ..
لقد ترك رحيلُ أبي عبدالملك في نفوس محبّيه صدمةً ليست ككل صدمة ، وحُزنًا لا يُشبِه كلَّ حُزنٍ مَضَى ، وأيقظَ ذاك الرحيل في ذاكرتهم تفاصيلَ رَجُلٍ أحبّوه ، وألِفوا طِيبَ معشرِه ، واطمأنّوا إلى صَفاء نفسِه ، فخَيّمَ الحزنُ على كل من عَرَفَه ، وصار أسمُه يَستدعِي التضَرُّعَ والدمعةَ والذكرى .
ولعلّ أقسى ما في فَقْدِ مِثْلِه أن الحياةَ اليوميةَ تظلُّ تُذكُّر أهله ومحبيه بمجلسٍ كان يأنسُ بحضورِه ، وحديثٍ أو رسالةٍ كانت تحلو بهما مشاركاته ، وموقفٍ تستعيد فيه النفسُ كل إبتسامة ، ثم تدرك في كل مرة ، أن صاحبَ ذلك الحضور كله قد رحل .
كان عونُ آلُ شليل ، لطيفَ الروح ، كريمَ النفس واليد ، وتلك صفاتٌ يجد الناس أثرها في التعامل قبل أن يصِفوها بالكلمات في ابتسامةٍ باهِتَةٍ تُذهب وحشة اللقاء ، فلم يكن يخاطب مَن معه إلا بعبارة ( يا سَيدي ) ويدعي له دعاءً بلطيف العبارات التي تأسر القلوب ، وفي حديثه شُعورٌ بالطمأنينةِ والسكون ، وسماحةٌ تمنح الآخرين إحساسًا بالقرب والقبول .
فكان في خِفّة ظلِّه ما يُبهج ، وفي لطفِ روحِه ما يُطمْئن ، وفي كرمِه ما يُبقي المودّةَ حَيّةً في القلوب ، والصورةَ راسخةً في الأذهان ، فالكرمُ حين يجتمع معه طِيبُ النفسِ وسَخاءُ اليد ، يصبحُ جُزءًا من سيرة صاحبه ، يذكُره الناسُ بما وجدوا عنده من حفاوة ، وبما لمسوه من نُبل ، وبالأثر الطيب الذي تركه في نفوسهم ، ولهذا كان الحزنُ على أبي عبدالملك إمتدادً للمحبّة التي أحاطت به في حياته ، فكلّما اتّسعت مساحة الإنسان في قلوب الآخرين أشتدّ أَلَمُ غيابِه .
قلت في مقالك الوداعي أبا عبدالملك ( آهٍ يا قلبي .. ماذا وجدت فيك ) ونحن نقول الآن : ماذا فعلت في قلوب الخَلق حين أجمَعَتْ على مَحبَتِك ثم تَهشّمَت عند عند رحيلك ؟!!!
لقد جاءت كثافةُ المُشَيّعين لأبي عبدالملك تعبيرًا بالغًا عن الأثَر الذي زرعه أبو عبدالملك في قلوب محبيه حيّاً ، ففي مشهد الوداع تَوافَدَ الناسُ يحمِلون حُزنَهم ودعاءَهم في قلوبِهم المُثْقَلَة وعلى كفوفِهم المرفوعةِ إلى السماء ، وتتكلم وجوهُهم بما تعجز عنه العبارات .
وكان إجتماعُهم الغفيرُ في الصلاةِ عليه والتشييعِ الكثيف مشهدَ وفاءٍ لرجلٍ ترك بينهم ذِكرًا حَسَنًا ومحبّةً دفعتهم إلى الحضور في أصعب اللحظات ومن مدن ومناطق مُتباعدة ..
وعلى وسائل التواصل الإجتماعي ، توالت كلماتُ الرِثاءِ والتعازي والدعاءُ من شرائح المجتمع المختلفة وبشكلٍ مُلفِت ، فقد أستحضر محبّوه كرمَه ، وتحدّثوا عن لُطْفه وخِفّة ظِلِّه ، وتبادلوا ما بقي في ذاكرتهم من أثره ، ولتلك الكلمات قيمَتُها الإنسانيةُ إذ تكشف كيف يحتفظ كلّ إنسانٍ بشيءٍ من الراحل ، وكيف تتجمّع الذكرياتُ المتفرّقةُ لتُظهِرَ صورةَ شخصيةٍ كان حضورها عزيزًا على الكل ، ففي رحيله المُرّ تَجَلَّت حقيقةُ الأثر الذي صنعه حُسنُ الخلق ، فحين تُعرِّف المَناصِبُ الناسَ بأصحابها ، تأتي المعاملةُ لتحدِّدَ مكانتهم في القلوب ..
ولذلك فقد ترك هذا الرجل الكريم من طيب السيرة ما جعل وداعَه موجعًا ، وذِكرَه مقرونًا بالمحبّة والدعاء له .
رحم الله عون آل شليل ، وغفر له ، وأكرَمَ نُزُلَه ، ووَسّع مدخلَه وجعل ما قدّم من خيرٍ في ميزان حسناته ، وألهم أهله وذويه ومحبّيه الصبر والسلوان ، فقد رحل وبقيت سيرتُه الطيبة تُروى ، وبقيت القلوب التي أحبّته تسأل الله له الرحمة ، وتستودعه عند ربٍّ كريم .
———————
رَحلْتَ وقد تركْتَ لنا قُلوبًا ..
تنامى نَزْفُها بين المَحاني
فكم كُنتَ تُصاحِبُني وسَعْدًا ..
فنشعُرُ أن ليلًا كالثواني
تُؤانِسُنا وتَغمُرُنا حَنانًا ..
وكنتَ رَفيقَنا عَبْرَ الزمانِ
أتَوْكَ وقد تزاحمتِ الصفوفُ ..
تُصلّي في سَكِينةِ مَن يُعاني
قُلوبٌ لا يفارِقُها دُعاءٌ ..
وتَنطِقُ في رِثائِكَ بالمعاني
دَعَوْنا أنْ تنالَ غدًا رياضًا ..
وتنعَمَ في جِوارٍ ذي أمانِ .
ودُمتم أوفياء




التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً