مجلس إدارة منصة شهاب الإعلامية
كتاب بلقرن تاريخ وحضارة
انشر مقالك
كتاب لاتحزن
قصص من إرث الأجداد

قصص من إرث الأجداد

حجم الخط

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

حين شاهدت مقطعًا في اليوتيوب يروي فيه جارالله بن زايد الغامدي قصة ذهاب أجداده إلى اليمن طلبًا للعلم، عادت بي الذاكرة إلى قصة أجدادي، اللذين كابدوا في زمن الفقر والمرض والخوف وشظف العيش، لكنهم امتلكوا عزيمةً أقوى من قسوة الظروف، وإيمانًا بأن العلم يستحق أن تُبذل في سبيله الأرواح والأعمار.

وهنا بدأت القصه  بشابين في مقتبل العمر، هما جدّاي: عبدالله بن حسن القرني وشقيقه عبدالعزيز، اللذان عزما على الرحيل من سبت العلاية ببلقرن إلى اليمن طلبًا للعلم.
انطلق الشقيقان في رحلة شاقة، يقطعان الفيافي والمسافات، حتى وصلا إلى اليمن، حيث درسا القرآن الكريم والحديث والفقه وأصول الدين في زبيد وبيت الفقيه، ونهلا من العلم ما استطاعا.

غير أن طريق العلم لم يخلُ من الفقد والألم؛ فقد ألمّ المرض بعبدالعزيز، فتوفي في اليمن، وواراه أخوه عبدالله الثرى هناك، بعيدًا عن أهله ودياره.

عاد عبدالله إلى بلقرن يحمل علمًا اكتسبه بشق الأنفس، وأخذ ينشر العلم ويفتي الناس، ويعلمهم الكتابه والقراءه ،حتى كبر ابناه منصور وعبدالرحمن.

منصور.. رحلة أخرى على خطى أبيه

كان منصور، الابن الأكبر لعبدالله، يحمل في نفسه رغبة أبيه في طلب العلم، فقرّر والده إرساله إلى اليمن ليتعلم القرآن والشريعة.

شدّ منصور الرحال، يرافقه رجل من قبيلة /الصهب عفراء بلقرن، وانطلق الاثنان مشيًا على الأقدام، يحملان طموحهما ويواجهان ما يعترضهما من مشقة الطريق وقسوة الظروف.

وصلا إلى بيت الفقيه في اليمن، لكن الواقع كان أشدّ قسوةً مما يحتملان؛ فقد ضاقت بهما الأحوال المادية والمعيشية، ولم يتمكنا من مواصلة الدراسة والإقامة، فاضطرا إلى العدول عن غايتهما والعودة إلى أرض الوطن.

ركبا سفينةً متجهةً إلى جدة، وهما لا يعلمان أن رحلة العودة ستكون أشدّ إيلامًا من رحلة الذهاب.

فما إن وصلا إلى ميناء جدة حتى كان الجدري قد أنهك جسديهما، وأصبحا في حاجة إلى من يرعاهما ويخفف عنهما آلام المرض.

وفي تلك الظروف العصيبة، استضافتهما امرأة مسنّة سوداء في بيتها، ولم يكن لديها من العلاج سوى ما تيسّر لها من وسائل بسيطة؛ فكانت تقلبهما في الشمس وتفقّيء حبوب الجدري  بسُلّايةٍ نخل،
لكن القدر لم يمهل رفيق منصور، فتوفي متأثرًا بمرضه، بينما كتب الله لمنصور النجاة والشفاء.

وهكذا، وجد منصور نفسه مرة أخرى أمام مشهد الفقد، شبيهًا بما عاشه أبوه عبدالله حين فقد شقيقه في اليمن. دفن رفيقه، ومضى وحده، يحمل ألم الفراق، لكنه لم يتخلّ عن غايته ،
لم يعد منصور إلى أهله بعد تلك المحنة، بل اتجه إلى منطقة المضيق، شمال شرقي مكة المكرمة، حيث كانت هناك مدرسة لتعليم القرآن الكريم وعلومه.

وهناك تبدّلت أحواله؛ إذ استقبله عالمان، تولّى أحدهما،  تعليمه، و تولّى الآخر توفير طعامه وكسوته من التبرعات التي يجمعها من أهل الخير.

وجد منصور في تلك البيئة ما كان يبحث عنه، فاجتهد في طلب العلم، وأقبل على القرآن وعلوم الدين بنهمٍ وصبر، حتى برز بين أقرانه، وأظهر من الفهم والتمكّن ما لفت أنظار معلّميه.

ومع مرور الوقت، لم يعد مجرد طالب علم، بل أصبح مساعدًا لمعلّمه ، يتولى التدريس مكانه عند غيابه.

وهكذا، تحقّق ما خرج من أجله من بلقرن؛ فبعد مشقة السفر، وفقد الرفيق، ومرارة المرض، وقلّة ذات اليد، أصبح منصور معلّمًا بعد أن كان متعلمًا، يحمل رسالة العلم التي طالما حلم بها.
بعد سنوات من الغربة وطلب العلم، قرّر منصور العودة إلى أهله في بلقرن.
 ودّع معلميه وتوجه للحج  وقابل حجاج ربعه فصحبهم وأدّى معهم الفريضة ، ثم عاد معهم إلى دياره.

وحين اقترب من العلاية، كان استقباله مناسبةً لفرحةٍ طال انتظارها؛ فقد اجتمع أهله وجماعته لاستقباله بالعرضة، وفق عاداتهم في الترحيب بالعائدين من السفر.

وفي ذلك الاستقبال، قال الشاعر مفرح بن درع قصيدة منها:

«مرحبًا هيل يا حُجّاجنا مرحبا….
وابطى منصور في الغربة، فيا مرحبين»

عاد منصور إلى جوار أبيه عبدالله، فزاملَه في تعليم الناس والإفتاء، والتعليم حتى توفي والده، فتولّى مكانه، واستمر في نشر العلم والقيام بشؤون الناس الدينية.وتعليمهم القراءة والكتابه وانتداب طلبته لتعليم القرى المجاوره واشتهر بلقب «منصور الشرع»،

ولم يكن وحده في هذا الميدان؛ فقد عُرف في تلك النواحي رجالٌ آخرون اضطلعوا بالتعليم والإفتاء، ومنهم من كان عند آل سليمان وثريبان وخثعم وغيرها. 

وفي عام 1336هـ، حين وصل الأمير عبدالرحمن بن ثنيان إلى بيشة أميرًا، بتعيين من الملك عبدالعزيز، رحمهما الله، كان جدي منصور ضمن مشايخ بلقرن وغيرهم ممن حضروا للقاء الأمير.

وكان منصور المتحدث باسم المشايخ، وتولّى أداء التسليم والبيعة للملك عبدالعزيز.

وقد رحّب بهم الأمير عبدالرحمن بن ثنيان، ثم أجلس منصورًا إلى جواره، وبدأ يناقشه في مسائل دينية وشرعية ،وكان الأمير نفسه أميرًا وعالمًا بالشرع،
أُعجب الأمير به، فأهداه مجموعةً من الكتب الدينية، وأذن له بالاستمرار في عمله، كما كلّفه باستقبال عاملي الزكاة ومرافقتهم في جمعها من طور الحجاز. 

وأخيرًا اليكم هذه الطرفه:

فقد اشترى جدّي منصور ناقةً من سوق السبت في العلاية، ثم امتطاها متوجهًا إلى مكة لأداء فريضة الحج.

ومضت الرحلة حتى وصل إلى منى، حيث فوجئ بأصحاب الناقة الحقيقيين و أثبتوا  له أنها مسروقة منهم، وطالبوه بإعادتها إليهم
فلم يتردد في تسليم الناقة لهم،
وهكذا، بعد أن فقد وسيلة نقله، عاد من الحج مشيًا على الأقدام!

لكن الخبر سبقه إلى الديار؛ فقد وصلت قصة الناقة إلى أهله قبل أن يصل هو، فاستعد ابنه، والدي عبدالله بن منصور، لاستقباله على طريقته الخاصة بقصيده يعرض بها معٰ مجموعة من الشباب يقول فيها:

«يا مرحبًا هيل بالحجّاج….
ذا ردّوا الناقه لاهلها).

رحمهم الله جميعًا، ورحم موتى المسلمين، وجزاهم عنّا وعن المسلمين خير الجزاء.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد

كتبها/محمد عبدالله منصور القرني. 

راجعها وصححها الابن/ عبدالله منصور عبدالله منصور القرني

جده 1448/5/11

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية