وَتين .. التي رَحَلَت
كتبه : أبو مشاري
نَحنُ كمُسلمين نؤمنُ بالقضاءِ والقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه ، ونعلمُ أن لكلِّ أجَلٍ كتاب ، وندركُ أن ما أصابَنا لم يكُن ليُخطِئَنا ، ولكننا كبَشَرٍ تؤلمُنا لحَظَاتُ الفِراقِ وتَعبَثُ بأكبادِنا ، وعندما تأتي النهايةُ بطريقةٍ مُسَبَبَةٍ أو غيرِ مألوفةٍ فإن الحُزنَ يَستطيلُ حتى يبلغُ الكَمَدُ مداه .
وَتين .. تلك الفتاةُ التي غادرَت هذه الدنيا بطريقتِها لم تكُن تعلمُ أن هناك مُهَجٌ طَرِيّة ، وأرواحٌ ضعيفة ، وهياكلُ هَشّة ، يعتصرُها الألمُ وتتهشّمُ في أدنى الأحداثِ والمصَائب .
أرادَت أن تتخلّصَ من قَسوةِ المُحيطين وتَستكين ، في وقتٍ يبقى فيه الآخرون يتجرّعون وَيلاتِ الشَجَن ومرارةَ الأيام .
أيّتُها الوتينُ الغائبة .. أختصرتِ الطريقَ بطريقتِك الخاطئةِ وفي ظَنّك أنه الهُدوءُ من المعركةِ مع من حَولك ، فلم تُعاقِبي نفسَك وحدَك ، بل عاقبتي مجتمعًا بأكملِه ، فكانت غمامةٌ قاتمةٌ حمَلَت معَها البؤسَ لكل أبٍ قَويٍّ وأمٍ حَنونةٍ وزميلةٍ وَفيّةٍ .
لا أكادُ أتخَيّلُ مدى قَسوةِ بعضِ أفرادِ المجتمعِ من آباءٍ وأمهاتٍ ومعلمين ومعلماتٍ وغيرِهم من فئاتِ المجتمع ، والتي تصِل إلى هَلَع الإبن أو الإبنة من أبيهما وهو السنَدُ المفترضُ لهما والحاضنُ الدافئ وقتَ الشدائدِ لهما والجابرُ لعثراتِهما بعد الله والناصحُ لهما بلُطفٍ وهدوء ، أو قلقِ الطلاب من معلميهم وهم المُرَبّون الفاضلون المفترضون ، أو الموظفِ من رئيسِه لدرجةِ كُره الحياة .
إن الرحمةَ والحَنانَ والعطفَ تحتوي الأطفالَ والشبابَ والشاباتِ فقلوبُهم رقيقةٌ وأملُهم في آبائِهم ومعلميهم لا يُقاسُ بدرجة ، وخاصةً في هذا الجيلِ الذي نشأ مُتنعِّمًا فلم يعُد يتحملُ الصَدَماتِ ولا المفاجآتِ ولا قسوةَ البشر .
رحِمَ اللهُ وتينَ وجبرَ قلوبَ أهلِها الذين سيتأمّلون مقتنياتِها ، ويتذكّرون صوتَها ويستحضرون لحظاتِها في أرجاءِ البيت ، وكذلك معلماتِها وزميلاتِها وهم ينظرون لطاولتِها وكرسّيها .
لعل ما حَدَث هو هزّةٌ عَنيفةٌ لقلوبِ القُسَاةِ ، ولكل المُهلمين في إحتواءِ أبنائِهم وبناتِهم ، ولعل هذه المصيبةَ ومسبباتِها عِبرةٌ لمن كان له قَلْبٌ أو ألقى السَمعَ وهو شَهيد .
دُمتُم بِسلام




التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً