أغلالٌ تُطوِّقنا
كتبه : أبو مشاري
الفَردُ هو أحدُ لَبِنَاتِ المجتمعِ الأساسية التي بترادفِها وجودتِها وإتقانِ الروابطِ بينها فإن ذلك يشكل الحياة الإجتماعية الطبيعية ذات الجودة العالية ،
ولذلك فإن الفردَ غالباً ما يهتم لما يعتقده الآخرون عنه ، فقد يساعد هذا الأمر في تحسين سلوكياتنا وشخصياتنا ، ولكنه قد يؤثر على شخصياتنا وإنتاجيتنا من جهةٍ أُخرى ..
ولا شك أن سٌلطةَ المجتمعِ أو السُلطةَ الرسميةَ قد تردعان فعلًا مَن توسوس له نفسُه للخروج عن جادة المبادئ التي تم رسمها له سواء الدينية أو الإجتماعية أو الأمنية وغيرها فقد ورد في الأثرِ عن الخليفةٍ الراشدِ عثمان بن عفّان رضي الله عنه أنه قال :
إن اللهَ يَزَعُ بالسلطانِ ما لا يَزَعُ بالقرآن .
إلا أن الإفراطَ في الخوفِ من كلام الناس في المجتمع - سواء كان ذلك المجتمع قبيلته أو عشيرته أو أضيق دائرة حولَه - وردود أفعالهم قد يعود على الفردِ بالكثير من الإنعكاسات السلبية التي تؤثر عليه شخصيّاً بل وعلى مجتمعه في المحصِّلة .
وعادةً ما يُصَابُ الفردُ بوسواسِ الخوفِ من كلام الناس عندما تكون لديه قابليةٌ لهذا الخوف المفرط ، كأن يكون مصابًا بالقلق النفسي أو القلق الإجتماعي أصلاً ، أو عندما يفقد الشعورَ بالرضا الذاتي عن تصرفاته وأقواله وعن شخصيته دون الحصول على موافقة الآخرين عليها ، فهو يقيّم نفسَه وتصرفاتِه من خلال نظرة المجتمع إليه وإلى كل تصرفاته وبالتالي فهو يُغيِّر أو يوجِّه تصرفاتِه وأقوالَه وفق ما يراه مجتمعُه لا ما يراه هو ، أو الإنقياد لآحادِ ذلك المجتمع كما يقال ( فلان مفتاحه فلان الآخر ) ، في الوقت الذي كان يُفترَض أن يكون الفرد هو صاحبَ الشأنِ والقرار لنفسِه ، يقول الشاعرُ :
إذا لم يُكن شُرب الفَتَى من يمينه ..
فشُربه من ايدين الرِجال هَمَاج .
والشيءُ بالشيءِ يُذكَر ، هناك أحد أبناء جماعتي ( الحنيك ) قديمًا كان عنده جلسة في المحكمة لوجود قضية تستدعي مواجهة خصمه في المحكمة ، وكان شابّاً حينها لكنه كان مُحنَّكًا حَذِقا ، فقال له كبارُ السِن : قُل للشيخ كذا وكذا ، وإذا قال خصُمك كذا فرُدّ عليه بكذا ، وأكثَرَوا عليه الوصايا ، فقال :
( اسمعوا مني الله يعلني فداكم .. والله إذا ما أضرب من معابري ذا في محزَمي ما تنفعني معابركم تيه ، وانها تضيع في امطريج قبل أصل ) .
طيب .. نعود لمحورنِا الخشيةِ من كلامِ الناس .. كيف يا تُرى قد تشَكَّلَ خوفُ الفردِ المُفرِط من كلام الناس ؟
في تصوري قد تعود أسبابُ ذلك إلى نوعيةِ التنشئة ، وعلى المواقف التي قد حصَلَت له مبكِّرًا مثل التنمُّر ، وسوءِ المعاملة ، والإضطهاد ، والإستبعادِ المتكرِّر من المجموعات ، ومنها على سبيل المثال في جيلِنا الحالي ( القروبات ) وكذلك قد يعود السبب لنوعية الناس المحيطين بالفرد من حيث شمولية الوعي لديهم والتعليم والثقافة والتحفيز وغيرها من الجوانب الإيجابية ، وأيضاً بعض الجوانب السلبية فيهم كالحسدِ ، والتثبيط والتنافسِ الغير شريف ، والإنتقاد لمجرد الإنتقاد ، وإساءة الفهم ، وتَعمُّد تحريف المقصود ، واللوم ، والإذلال ، والتشدُّدِ في الأحكام ، والنظراتِ القاصرة ، وغيرِ ذلك من الجوانبِ السلبية .
ومن طبيعة الإنسان أنه يكون أكثر سعادةً خلال تواجده ما بين الناس ، وهذا التواجدُ يُحدِّده تصوُّرُه عن مدى تفكيرِ الآخرين به وعن تصرفاتِه وأقوالِه ، فهو والأمرُ كذلك يحرِص على هذا المعيار خوفًا من إستبعاد المجتمع له ، أو أن يخسرَ بعضَ علاقاته بأفراد المجتمع ، أو على الأقل يخشى أن يسخَروا منه ،أو بالبلدي ( يضحكون عليه ) .
حسنًا .. قد يقول قائلٌ ماذا يمكن أن أفعلَه فأنا أشعر أنني فعلًا أسيرٌ لفكرةِ الخوفِ من كلام الناس وبشدة ، فأحجِم عن المبادرات ، وأبتعد عن المشاركات ، وأخفي كل ما لدي ؟
أقول ..
للتخلُّص من هذه الأغلال التي طوقت بها نفسك وعَطّلت بها فكرَك وإنتاجك ، فيمكنك إتباعَ مايلي :
١ - فَكِّر واجلس مع ذاتِك وابحث عن أسباب خوفك الإجتماعي ، وهل أنت على حق في هذا الخوف أم لا .
٢ - إقنع نفسَك أنه يجب أن تكون في منطقةِ توازنٍ بين الوصايةِ المجتمعيَّةِ الإيجابيًّةِ والمفيدةِ من جهة ، وبين سَلبية أن تظَلّ أسيرًا للخوفِ المُفرِطِ من كلامِ الناسِ طيلةَ حياتِك وتُعطِّل قدراتك التي وهَبَك الله إياها .
٣ - إن أستطعت أن تحصُلَ على دوراتٍ في التطويرِ الذاتي وإلا فعلى الأقل عاشِر الناسَ الإيجابيين المحفِّزين وتجنَّب السلبيين المثبِّطين .
٤ - حَدِّث نفسَك بأنك صاحبُ القرارِ فيما تفعله وتقوله وليس الآخرون .
٥ - إذا كنت من الذين لديهم حالةُ قلقٍ نفسيٍّ أو اجتماعيٍّ فبادر بعرضِ نفسِك على مختصٍّ وستجدُ الفرق .
٧ - حاول أن تخلُقَ مَزيجًا لنفسِك من المشاعرِ الذاتية كالجرأةِ ، والإعتدادِ بالنفسِ ، واحترامِ الذات ، وعدمِ الخجل مما تقرره لنفسك إذا كان مدروسًا وإيجابيّا .
٨ - إستخدمْ مبدأَ التوازنِ من حيث الحفاظ على علاقاتك الإجتماعية قدر الإمكان وبين إستقلالية قرارك الذي يُعبِّر عن شخصيتِك .
ودُمتم نبلاء .




التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً