مجلس إدارة منصة شهاب الإعلامية
كتاب بلقرن تاريخ وحضارة
انشر مقالك
كتاب لاتحزن
كروز .. كما رأيتُها

كروز .. كما رأيتُها

حجم الخط

 

كتبه : أبو مشاري

عندما دَلَفَت سَفينةُ كروز أرويَا السعوديةُ إلى ميناءِ جدة في بدايةِ الشهر الماضي كانت الآلةُ الإعلاميةُ تستقبلُها كزائرةٍ حَسناءَ يخطُب ودَّها كلُّ عاشق ، وقد كنت من المتابعين للمعلوماتِ التي كانت وسائلُ التواصلِ الإجتماعي بالذات تضُخُّها حولَ هذا الحَدثِ الهام ، حينها قرأتُ عن السفينةِ الجديدةِ لعلي أحيطُ بوافرٍ من المعلوماتِ عنها ، ثم قرّرتُ أن أخوضَ تجربةً بحريةً لأوّلِ مرةٍ من خلالها ، فحجزتُ رحلةً عليها لما بعد شهر ، وكانت قيمة التذكرة ٢٤٥٠ ريال شاملة التذكرة وفطور وغداء وعشاء كلها بوفية مفتوح لمدة ٤ أيام ومطاعم سناكات بين الوجبات ، ومحلات الكوفيهات ، وشاملة أيصًا المسابح والعروض والإحتفالات والملاعب الرياضية  . 

وفي الموعدِ المحدَّدِ لإبحارِ السفينةِ ذهبتُ إلى ميناءِ جدة ، ولا أخفي على أحدٍ أنه كان بداخلي شعورٌ جميلٌ بالتجربةِ الجديدةِ هذه إلا أنه كان مَشوبًا ببعض الوَجَل ، فهذه أول مرّةٍ ألِجُ فيها عالمَ البحارِ ، فضلًا عمّا تكتنزُه ذاكرتي من محاذيرَ ومغامراتٍ سابقةٍ عن غَدر البحر ، وتصوّري حول مُغالَبَة هذه القطعةِ المتأرجحةِ لأمواجٍ عاتيةٍ في بحرٍ لُجّي ، وكذلك ما سبق أن رأيتَه في صوَرِ ومقاطعِ الكروز من ضيقِ مساحاتِ الكابيناتِ والممراتِ ودُنو سقفِ كل دور ، مما يُشكِّل لي في العادةِ عدمَ ارتياحٍ لمثل تلك البيئة الضيّقة ..

ولكن في الحقيقةِ فقد وجدتُ في الميناءِ تنظيمًا جيدًا وحركةً إنسيابيةً لم أكُن أتوقعها خصوصًا أن معلوماتي تتضمنُ عددَ المسافرين البالغ حوالي ٣٤٠٠ شخصًا ، وكذلك معرفتي بأن السفينةَ حديثةُ الإستثمارِ في المملكةِ وفي بدايةِ تجربتِها وقِلّة خِبرة موظفيها .

تم إعطاؤنا بطاقاتِ الكبائن ( الغُرَف ) الإلكترونية في الميناء والتي تعتبر هوية المسافرين البحرية من حيث أنها تحدّد هويةَ الراكب ، وكذلك فهي مفتاحُ الغرفةِ وبطاقةُ مشترياتِه على السفينة .

 أستقلّينا الباصاتِ بإتجاه رصيفِ المرسى ، وكم كان إنبهاري عظيمًا وأنا أرى هذه السفينةَ شامِخةً كالطَودِ العظيم وهي ترسو بجوارِ الميناء زاهيةً بأضوائها المرصوفةٍ على جنباتها كأضواءِ ( لاس فيقاس ) وبضخامةٍ مُلفِتةٍ إذ يبلُغ طولُها ٣٣٥ مترًا وإرتفاعها ١٩ طابقًا ..

بدأنا نتوافدُ على الكروز والجميع منبهرين لهذا الجسمِ الذي يُمثِّل مدينةً فندقيةً عائمةً وذلك من حيث في ممراتِها ومصاعدِها وصالاتِها وأسواقِها ومسابحِها وملاعبِها ومطاعمِها المتنوعةِ ومقاهيها المنتشرةِ في كل مكان ، وكذلك جمالياتِها الداخلِيّه من ديكوراتٍ وجدارياتٍ وأرضياتٍ ومرافقَ تسلِبُ الألباب ، مما غيّر توجّسي السابقَ وأشعرَني براحةٍ وطمأنينةٍ بعد فضل الله عليّ .

تعرَّفت على الكابينةِ المخصصةِ لي في الطابق العاشر ووضعتُ أمتعتي ، ثم أبحَرنا شمالًا الساعةَ العاشرةَ ليلًا بإتجاه مدينةِ شرم الشيخ بمصر العزيزة ، حيث كان جدولُ الرحلةِ حوالي يومٍ ونصفٍ في البحر ، ثم يومٍ مفتوحٍ يقضيه المسافرون في مدينةِ شرمِ الشيخ ، ثم حوالي يومٍ ونصفٍ للعودةِ لمدينةِ جدة . 

شعرتُ بشغَفٍ يحتلّني لإستطلاعِ عالمِ هذا الفُلْك المشحون ، فبدأتُ أتجوّلُ في كل مكان في السفينةِ كطِفلٍ مندفعٍ يسوقُه نَهَمُه لمعرفةِ وإحتواءِ كل شيءٍ دفعةً واحدة . 

كنت أنظرُ ليلاً من مَطَلِّ السفينةِ فلا أجد إلا ظلامًا دامِسًا لا يكسِرُه سوى أضواءُ السفينةِ وبعضُ إنعكاساتِ تلك الأضواءِ على أمواجِ البحرِ الخفيفةِ وعلى زَبَدِها الفِضِّي الناشئِ عن حركةِ السفينة ، حينها تذكّرت قول اللهِ تعالى :

(( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّور )) .

في اليومِ التالي كان المنظرُ المتوقَعُ أجمل بطلوعِ الشمس ، فقررتُ الذهابَ لمطلٍّ آخر على دَفّةِ السفينة ، وياله من منظرٍ عجيبٍ يقفزُ بالذاكرة إلى ملكوتِ اللهِ وفي خلقِه العظيم ، فقد كنت أتأملُ في هذا المنظرِ فأجدُ بحرًا بلا شواطئ كصفحةٍ زرقاءَ لا حدود لها ، وهنا سفينةٌ عظيمةًُ تَمخُرُ عُبابَ هذا البحرِ بكل جسارةٍ وقوة .

وصلنا إلى مرفأِ شرمِ الشيخ وتجوّلنا في أسواقِ المدينةِ وأستمتعنا بأجوائِها ومعالمِها قبل أن نعودَ للسفينةِ من خلالِ باصاتٍ مخصَّصةٍ ومنسَّقةٍ مع إدارةِ كروز أرويا السعودية . 

كتبتُ ما رأيت وأنا على مَتنِ السفينةِ وهي راسيةً بميناءِ جدة بعد عودتِنا وننتظرُ تنسيقَ نزولِ المسافرين للميناءِ على دفعات ، وأحمد اللهَ بما وصلنا إليه في الرؤيةِ العظيمة ، فقد لاحظتُ الإنبِهارَ واضحًا على وجوهِ كل من معي ومن بينهم غير السعوديين إستعذابًا لهذا المرفقِ العجيبِ في ضخامتِه ونظافتِه ووسائلِ الترفيه عليه ، وحُسنِ إدارته ، وخدماتِه التي تفوقُ الوصف ، وقلت في نفسي الحمد لله أن هذا المنجزَ هو أحدُ مخرجاتِ الرؤية والذي يتحدثُ عن حضارةٍ قائمةٍ مُلفَتةٍ ذاتَ فخامةٍ وترفيهٍ للمواطن ، وتُنبِئُ عن تقدُّمٍ إقتصاديٍّ مُلفِت من خلالٍ إستثمارٍ مادّيٍّ يُدِرُّ دَخلاً إضافيًّا للخزينةِ العامةِ للدولة ، حيث أن كروز أرويا هذه يمتلكها صندوقُ الإستثماراتِ العامةِ السعودي بنسبة ١٠٠% ، وقد بدا لي جَليّاً بدءُ قطافِ نتائجِ هذه الرؤيةِ التي ستدفعُ بالمملكةِ العربيةِ السعوديةِ قُدُمًا نحو العالمِ الأولِ بمنجزاتِها الحضاريةِ وإستثماراتِها الهائلةِ المدروسة ، وتنميةِ الإنسانِ السعودي فكريًّا وصحياً ، وفي أسلوبِ وجودةِ الحياة .

أُشجعُ على خَوضِ هذه التجربةِ الفريدةِ بنكهتِها الخاصة ، فهي تُعَدُّ نمَطًا ترفيهيًّا إستثنائيًّا يُشعرُك بأنك على كوكبٍ غيرَ كوكبِ الأرض .

دمتم سُعداء .

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية