مجلس إدارة منصة شهاب الإعلامية
كتاب بلقرن تاريخ وحضارة
انشر مقالك
كتاب لاتحزن
أُنشودةُ المَطَر

أُنشودةُ المَطَر

حجم الخط

 

كتبه : أبو مشاري

خلالَ اليومين الماضيين كان مسؤولو الأرصادِ يتحدثون عن هطولٍ مُرتقَبٍ للأمطارِ بشكلٍ غزيرٍ على بعضِ مناطقِ المملكةِ ومنها منطقةِ مكةَ المكرمة ..

ولذلك فقد كُنّا في مدينةِ جدة متعطشين لرحمةِ الله بنا ، فالمطرُ له فرحةٌ عظيمةٌ تلِجُ إلى قلوبِ الناسِ فيتساوون في الأحاسيسِ ويتخلَّون أحيانًا عن تنميقِ الكلماتِ وتنسيقِ المشاعرِ عندما يبدأ المطرُ بالهطول ، فمن عِظَمِ الفرحةِ تنفتحُ الأساريرُ وتغيبُ البلاغةُ والرسميّةُ ويصبحُ الكبارُ والصغارُ كلُّهم بفرحةٍ متساويةٍ ولغةٍ واحدةٍ يتيَقنُ المسلمُ حينَها أن الرحمةَ غَشيَت الخلائق . 

يقول الله تعالى :

( وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ) .

فمهما كانت توجدُ بعضُ الأضرارِ الناتجةِ عن الأمطارِ ، إلا أن الغيثَ يظَلُّ الضيفَ الغالي الذي ينشدُه كلُُ بيتٍ وكل إنسان .

يقول الشاعر البحتري :

إِنَّ السَماءَ إِذا لَم تَبكِ مُقلَتُها ..

لَم تَضحَكِ الأَرضُ عَن شَيءٍ مِنَ الخُضُرِ

وَالزَهرُ لا تَنجَلي أَحداقُهُ أَبَداً ..

إِلّا إِذا مَرِضَت مِن كَثرَةِ المَطَرِ .

أستيقضتُ هذا اليومِ على آمالِ الأرصادِ وتوقعاتِهم المنضويةِ تحتَ مشيئةِ الله .

فتناولتُ مع أسرتي طعامَ الإفطارِ في شُرفةِ المنزلِ التي تطلُّ على الطريقِ وعلى منازلِ الجيرانِ المتناسقةِ في بنائِها وألوانِها ، وكنت ألتقطُ صوَرًا للمطرِ وهو يتساقطُ كحباتِ اللؤلؤِ كهديةٍ من رب العبادِ لهم .

أصطحبتُ أسرتي الصغيرةَ في السيارةِ لننعمَ بمشاهدةِ المطرِ ولنلتمِسَ منه ما شاء اللهُ على أجسادِنا مباشرةً وندعوه سبحانه بما نريدُ لعلُ يتولّانا برحمتِه ويقينا عذابَه .

ومنذ بدايةِ المطرِ كنت أتأملُ فيه وأتذكَّر أمطارَ مراتعِ الصِبا في مرابعِ بلقرن بالجنوبِ الأخضر .

فقد كنت منذُ الطفولةِ من عُشّاق صوتِ المطرِ والتفاعلَ مع قطَراتِه وسيولِه .

كنت أستمتعُ بصوتِ المطرِ خاصةً في الليلِ وأنا على فِراش النومِ ولا يَلفُّني سوى ظلامُ الليلِ والخيالُ في قادمِ الأيام ، 

وكنت أتلذَّذُ بسماعِ صوتِ المطرِ وتساقطِه على سَقفِ بيتِنا المُكوًّن من جذوعِ أشجارِ العَرعَر التي نسمّيها محليًّا ( البَطَن ) وفوقَه الجريدُ ثم اللحاءُ ثم أغصانُ العَرعَر ثم ترابُ ( المَدَر ) الذي يشكِّل طبقةً تحمي من تسرّب مياهِ الأمطارِ لداخلِ المنزل .

وكنت أسمعُ المطرَ على السقفِ من فوقي متفوقًا على أجملِ ( سيمفونية ) وأمتعَِ نغَم ، وكان من دواعي إكتمالِ الجمالِ حينَئذٍ أن جِدارَ الغرفةِ التي كنت أنامُ فيها يجاورُه من الخارجِ مجرى سيل ، فما أن تنتهي أنشودةُ المطرِ على سقفِ البيتِ حتى أسمعَ جَرَيانَ السيلِ من خلفِ جدارِ البيتِ فيكتملَ عقدُ الجمالِ مما يغسِلُ همومَ الطفولةِ ، ويصفِّي الذِهنَ ويُنعشُ الآمالَ لمستقبلٍ زاهي .

وعندما كان المطرُ يهطلُ خلالَ النهارِ فثمةَ التغذيةُ البصريةُ والسمعيةُ المُشبِعةِ معًا ، فقد كنتُ وأخواني وأبناءُ الجيرانِ نلهو في عِزِّ المطرِ وننشدُ بأناشيدِ المطرِ الخاصةِ مثل :

امَّطَر فينا  ..   رَشْ معزانا

سَرَحَن تولِّد  ..  وانتلبَّاها

ثم نقلِب اللحنَ للونٍ آخر وننشد :

ياالله في رشَاشَه تخثَع اميرين ..

واشربْ امتنباك واقُل يا كريم 

وذاتَ مرّةٍ دفعني الفضولُ أنا وشقيقي أبا مهنّد وقريبي أبا ممدوح أن نجرِّبَ السباحةَ في دفّةِ السَيل كنوعٍ من التحَدِّي ، وكان سيلُ وادي ماسْرَة العملاقُ المعروفُ ينسابُ بل يَهدرُ قريبًا من بيتِنا وبين جُدرانِ مزارعِنا فهروَلنا بإتجاهِ الوادي والمطر لازالَ ينهمِر ، ونحن أطفالٌ في المرحلةِ الإبتدائية وتجاسَرنا على خوضِ تجرُبةٍ غريبة ، وفَكّرنا بأن نسبحَ عكسَ إتجاهِ السيلِ حتى لا يجرُفُنا بسرعتِه الهائلة ، وفعلاً ألقينا ملابسَنا التي كانت تقينا برودةَ الجوِّ وقَفَزنا في السيلِ وجعلنا نسبحُ عكسَ تيّارِه ، ومع أننا نجيدُ السباحةَ من قبل حيث تعلّمناها في ( الغُدران ) إلا أننا كنا نكتشفُ أننا بعدُ كل وقتٍ من السباحةِ لا زلنا في مكانِنا الأول بسببِ عكس التيار ، أي كما قال الشاعر القَرَوي اللطيف :

يا راكبِن من عندنا فوق كرتون ..

واذا انطلقْ ما يتّعدّى مكانَه .

أما إذا كان البَرَد فقد كُنا نتزلّجُ عليه في المواقعِ المائلةِ ونسعدُ وكأننا في جبَلِ التنين ( اليَشم ) الصيني . ولذلك فعندما عِشتُ أجواءَ المطرِ في جدةَ اليومَ فقد رَبَط ذهني هذا الواقعِ مع ما كان في طفولتي فتضاعَفَت المتعةُ وأحسَستُ والحمد للهِ بالرحمةِ المهداة ، فشَكَرتُ الله وكتَبْت ما قرأتم واستغفرُ الله العظيمَ لي ولكم .

دُمتم سُعداء .

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية