روضةٌ في صَحراء .
كتبه : أبو مشاري
عندما يولَدُ إنسانٌ في أرضِ المروج ، أو في أرخَبيلٍ تحُفُّ جُزرَه المياهُ العَذبة أو مياهُ البحرِ المالحةِ بما تحمِلُه من صيدِ البحرِ ولؤلؤه ، أو في بلادٍ تشُقُّها الأنهارُ وتتعاهدُها الأمطارُ فقد ينشأ هذا الإنسانُ في جَوٍّ من إستمراءٍ هذا الرخاءٍ والإرتِواءٍ ورَغَدِ العَيشٍ ، وربما دونَ إستشعارٍ منه لهذه المُقدّرات الثمينة وذلك لتَوفُّر مقوماتِ الحياةِ في ظِلِّ هذه المُعطياتِ الربّانيّة المعهودة دونَ تغيير .
ولكن أن يسمعَ المرءُ عن مجتمعاتٍ قبلَنا كانت تعيشُ في صحراءٍ قاحلةٍ يتجوَّلُ الكَدَرُ والعَوَزُ في أجوافِ أهلِها ويتنامى اليأسُ على ذراتِ ترابِها ، وبين قُرى وهِجَرِ تلك المجتمعاتِ وبين الناسِ مساحاتٌ كبيرةٌ يسكنُها الفَراغ ، ثم في غُضونِ عقودٍ معدودةٍ من الزمن تتبدَّلُ هذه القِفَارُ الجافّةُ إلى أعظم أرضٍ وأوفى شعبٍ في ظِلِّ قيادةٍ محبوبةٍ وأصبحَ نتاجُ هذه الركائزِ الثلاثِ الغالية وطنًا مثاليًّا لَفَتَ أنظارَ العالمِ أجمع ، غير كونه قِبلةِ مُسلمي كوكبِ الأرض ، من يتأمل هذه النَقلةَ فتلك هي الدهشةُ العظيمةُ التي يعجزُ معها الإنسانُ عن التعبيرِ في ذِكرَى يومِ التأسيسِ وتقِفُ فيها سَرديّةُ الكلامِ بين اللُّهاةِ والشِفاه ، وتلك أيضًا هي النظرةُ العالميَّة التي يَسيلُ فيها لعابُ الطامعين إشتهاءً وعَسَلا ، وتتبارى لتقليدِها مراكبُ الطامحين غِبطةً وإعجابا .
لا أسوقُ هنا هَذَرًا من القول ، ولكنها الحقيقةُ التي وُلِدَ وعاشَ فيها وطني الحبيبُ ولا زال يرفُلُ في نَعمائها ، فقد كانت شبهُ الجزيرةُ العربيةُ صحراءً قاسيةً في تضاريسِها ومناخاتِها ويصعُبُ فيها العيشُ ، إذْ لا أنهارَ ولا مناخاتٍ مطريَّةٍ تُنبِتُ الزرعَ والأعشابَ بالشكلِ الكافي ، ولم يكن بين قبائلِها ومجتمعاتِها الكادحةِ وأهلِها العُصاميين سوى ما طَرَقَهُ الحَدَّادُ وصَبَّهُ الرومان ، فقد كانت مجتمعاتٍ متناحرةً تغزو وتَسلِب ويضربُ بعضُها رِقابَ بعض ، ولذلك لم تكُن تلفِتُ حتى أنظارَ المستعمرين فكانوا عنها يصدِفون .
وعندما هَيّأ اللهُ عَزَّ وجلَّ الإمامَ محمد بن سعود - عليه شآبيبُ الرحمةَ والغفرانِ - لهذه الصحراءِ في الثاني والعشرين من شهرِ نوفمبر عام ١٧٢٧ م بَزَغَ فجرُ الدولةُ السعوديةُ وبدأت التحوّلاتُ من فَلاةٍ جَافةٍ إلى روضةٍ نًديَّة ، ومن تناحُرِ أضدادٍ إلى أخُوَّةٍ فاضِلةٍ وروابطَ صادقة .
وتتالت مراحلُ الدولةِ السعوديةِ إلى أن أصبحَ بزوغُ فجرِها شمسًا ساطعةً في عهدِ الملكِ عبدِالعزيز رحمَه الله ، حين جَمَع شَملَ الأمَّةِ السعوديةِ وأرسى دعائمَ الأمنِ فيها وأعانه اللهُ على توحيدِها وتسميتِها المملكة العربية السعودية ، ثم مَنَّ الله عليه فأخرجَ له خزائنَ الأرضِ من النفطِ والغازِ والمعادن وغيرها ، فتبدَّلَ وجهُ الصحراءِ إلى جَنَّةٍ دنيويَّةٍ تأسِرُ الألباب ، وتلاشَت الفوارقُ بين الناسِ حتى أضحوا نسيجًا إجتماعيًّا متناغِمًا ومتناسِقًا يحُفُّه الأمنُ وتجمعُهم وحدةُ الصَفِّ ويميّزُهم الولاءُ منقطِعُ النظيرِ لقياداتِهم الفَذَّةِ المتعاقِبةِ على مَرِّ العقود .
إن ذكرى يومِ تأسيسِ المملكة العربية السعودية هي من أهمِّ المحطاتِ في حياتِنا والتي يجبُ أن يتأملَ الإنسانُ السعوديُّ فيما كان عليه الذين سبَقونا وإلى أين وصَلنا بفضلِ الله ثم بفضلِ هذه القيادةِ العظيمةِ والشعبِ الوَفيّ ، لكي تشرَئبَّ بذلك أعناقُنا عِرفانًا ورِضا وتتسامَى به هاماتُنا فَخرًا لا كِبْرا ، ونحمدُ اللهَ أن رزقَنا هذه النقلةَ النوعيةَ فنشعرُ بها داخليًّا فيما نراه ونعيشُه ، وخارجيًّا بما وصَلَت إليه عالميّتُنا في عُيونِ الآخرين .
وإن وطنًا شامخًا كالمملكة العربية السعودية ، وقيادةً رشيدةً محبوبةً يقودُها الملكُ سلمانُ بن عبدالعزيز حفظه الله ، وإن وليَّ العهدِ ورئيسِ مجلسِ الوزراءِ الأميرِ محمد بن سلمان الذي أبهَرَ العالمَ من أقصاهُ إلى أقصاهُ ، وإن رؤيةً ناقلةً تحتَ عنوانِ رؤية المملكة ٢٠٣٠ وأن مجتمعًا صافيًا متماسِكًا كالشعبِ السعودي ، كل ذلك يُعتبَرُ في مُجمَلهِ جوهرةً ألماسيَّةً يشِعٌ بريقُها من مهبِط الوحي ونجْدِ المجدِ والجنوب المبارك والشمالِ الأشَمّ والشاطئِ الشرقيِّ الأشَدّ ليبلُغَ الآفاق ، وإن هذا الصَفاءَ والبريقَ هو أدعى أن تظَلَّ فيه الصُفوفُ مُتراصِفةً نقيَّةً تطردُ الخَبَثَ والفسادَ عن جِسمِ الوطنِ وتحميه من كل مُعتَدٍ أثيمٍ وكلِّ خائنٍ زنيم ، فصندوقُ المجوهراتِ لا يتّسِعُ للحَصَى .
حفظَك اللهَ يا وطني ودُمتَ عَظيمًا شامِخا .




التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً