المؤسس و إصلاح ذات البين …
(
الملك عبدالعزيز والاصلاح: موقف تاريخي
../ تتجه المجتمعات دائماً الى مراجعة أمورها عند حدوث مشكلات كبيرة تستدعي حضور تلك المراجعة وتأكيد الثوابت التي تقوم عليها تلك المجتمعات. والمجتمع السعودي واحد من تلك المجتمعات التي اتجهت الى البحث عن الطرق المناسبة لتحقيق الاصلاح خلال مسيرتها التاريخية وفق الثوابت والمبادئ وليس وفق ما تمليه السياسات والأهواء الاجنبية.
وتعود بنا الذاكرة الى تاريخ المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود الذي يمتلئ بالدروس والتجربة المتميزة لنبحث في طياته عن مفهوم الاصلاح ودواعيه. ولقد لفت نظري موقف تاريخي للملك عبدالعزيز يعكس مفهوم الاصلاح ومبادئه واشياء كثيرة يمكن للباحثين ان يستوعبوها بالتحليل والدراسة للكشف عن جوانب اخرى في استراتيجيات الملك عبدالعزيز وسياساته ومواقفه التاريخية.
فلقد نشرت جريدة أم القرى في 2ذي القعدة 1347هـ موقفاً تاريخياً للملك عبدالعزيز حدث في العشرين من شهر شوال 1347هـ الموافق 1929م عندما خطب في جمع كبير من العلماء والمشايخ ورجال الادارة وزعماء القبائل والحاضرة الذين وصل عددهم الى الفي رجل وذلك بعد الانتهاء من ازمة داخلية مؤسفة اصبحت في ذمة التاريخ. وبالنظر في ذلك الموقف التاريخي نجد ان ما تحدث به الملك عبدالعزيز يدل على تقديره - رحمه الله - للأمور ونظرته الثاقبة التي تتجاوز التباهي بالانتصار او البطولية الجوفاء. وما تحدث به الملك عبدالعزيز في تلك المناسبة يدل ايضاً على انه - رحمه الله - أدرك ان المشكلات الداخلية هي من أهم المشكلات التي تستدعي الاهتمام والمعالجة في ضوء ثوابت الدولة السعودية التي ارسيت منذ عام 1157هـ الموافق 1744م، واعيد ارساؤها في عام 1319هـ الموافق 1902م.
بدأ الملك عبدالعزيز خطبته التاريخية تلك بأسفه على ما حدث رغم انه كان منتصراً قائلاً: "اخواني أوصيكم ونفسي بتقوى الله، ان هذه الواقعة وان احزنتنا فلقد سرنا منها ما نرجوه من الصالح لبلادنا بعدها". وهذا يدل على ان الملك عبدالعزيز لم يكن فرحاً بانتصاره على الآخرين وانما كان ينظر الى تحقيق الصالح العام للبلاد.
والجانب المهم في هذا الموقف التاريخي هو تفكير الملك عبدالعزيز بالاصلاح نتيجة لتلك الاحداث كي يستفاد منها ويقضي على أي اسباب تدعو لا سمح الله الى تكرارها. فقد جاء في خطبته - رحمه الله - قوله: "لذلك كان من الواجب ان نفكر في الامر الذي يصلح حالنا بعد هذا". والملك عبدالعزيز بهذا الموقف التاريخي يؤسس لمفهوم الاصلاح واهميته في البلاد خاصة بعد ظهور أي احداث مؤسفة وخاصة الاحداث الداخلية تتطلب المعالجة في حينها وتحقيق الاصلاح بعد الانتهاء منها.
وبعد تأسيس مفهوم الاصلاح اتجه الملك عبدالعزيز الى ارساء ثوابت الاصلاح ومبادئ الدولة السعودية في تلك الخطبة المشهورة وذلك الموقف التاريخي المشهود. لذا قال الملك عبدالعزيز مواصلاً خطبته تلك: "واقترح من أجل ذلك اربعة امور فما وافق الشرع منها فاقبلوه وما خالفه منها فانبذوه". وبهذا أراد الملك عبدالعزيز تأسيس تلك الثوابت من جديد وفقاً للشريعة الاسلامية التي هي الاساس الذي لا يمكن ان يقوم على غيرها أي أمر يتعلق بالدولة السعودية. وجاءت المقترحات الاربعة بمثابة "خارطة اصلاح" مجددة بقصد اعادة التأكيد على المبادئ والثوابت التي قامت عليها الدولة السعودية منذ انشائها في منتصف القرن الثاني عشر الهجري/ الخامس عشر الميلادي.
ولنستعرض تلك المقترحات الاربعة التي تضمنها ذلك الخطاب التاريخي الذي استحضر التاريخ والمستقبل في آن واحد. قال الملك عبدالعزيز في تلك الخطبة:
أولاً: "ان جميع أمر يتعلق بالدين من فتوى وتحليل وتحريم وأمر ونهي لا يعمل شيء من هذا بالرأي وانما مرده لكتاب الله وسنة رسوله تسألون عنه علماءكم فما أفتوكم به وأمروكم به فاتبعوه وما نهوكم عنه فاجتنبوه".
وفي هذا تأصيل لمبدأ المرجعية الدينية الصحيحة وعدم فتح المجال أمام اخضاع أمور الدين للرأي او الهوى. ومن الدلائل المهمة في هذا الاقتراح تأكيد الملك عبدالعزيز ان من اسباب المشكلات الاتجاه الى الرأي في بعض امور الدين دون مرجعية صحيحة تتصل بالقرآن وسنة النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
ثانياً: "ان الولاية لها عليكم حق السمع والطاعة في دقيق الامور وجليلها والنصح في الباطن والظهر، وان لا يكون لكم تصرف بغير أمر ولايتكم مما تقضي به الشريعة". وهنا ايضاً يؤصل الملك عبدالعزيز مبدأ آخر من مبادئ الاصلاح يتمثل في تحقيق الولاية والسمع والطاعة لها في إطار الشريعة الاسلامية.
ثالثاً: "ان تمنعوا وتمتنعوا من اجتماع الافراد والجماعات لعقد أي أمر من الامور الدينية والدنيوية من دون الولاية لأن هذا هو الباب الذي دخل عليكم الفساد منه بتزويق الجاهلين الغلاة المفسدين" . وهنا ايضاً يؤسس الملك عبدالعزيز من جديد لمبدأ مهم يتعلق بالمحافظة على الولاية وارتباط أي تصرف عام بها خاصة فيما يتعلق بالاعمال الدينية والدنيوية التي ربما يترتب عليها نتائج تفاجئ الولاية لأنها تمت خارج إطارها المشروع لها والذي يكفله الشرع لها. وفي هذا الاقتراح فوائد كثيرة للمجتمع وذلك لأنه يضع أساساً مهماً وحيوياً في حياة الناس وتفاعلاتهم وربطها بقيادة الدولة وحكومتها حتى يتم تلافي حدوث أي أمور غير مناسبة بسبب انفصال تلك الاعمال عن إطار الدولة الذي هو إطار الشريعة الاسلامية.
رابعاً: "أن تحترموا المسلمين ومن في ذمة المسلمين في اعراضهم وأنفسهم واموالهم كما أوجب ذلك الله عليكم. وهذا مبدأ عظيم من مبادئ الاصلاح يتمثل في احترام المسلم ومن هو في ذمة المسلم بدلاً من انتهاك تلك الحرمات التي حرمها الله". فقد اثبتت تلك الاحداث المؤسفة في عهد الملك عبدالعزيز ان الارواح التي ازهقت دون سبب او مبرر سواء من المسلمين او من الذميين كانت نتيجة لاعمال مخالفة لشرع الله ولا يمكن قبولها. لذا دعا الملك عبدالعزيز الى احترام تلك الارواح في اعراضها وأنفسها وما تملك بقصد حمايتها وتأمين الاستقرار وتنفيذ أحكام الشريعة الاسلامية الغراء
وختم الملك عبدالعزيز خطبته المشهورة تلك وموقفه التاريخي العظيم قائلاً: "هذه امور اربعة لا ارى استقامة لأموركم بدونها، ولا تسد ابواب الشرور الداخلية عنكم إلا بالمحافظة عليها واني أسأل علماء الدين هل ما قلته حق او باطل وموافق للشرع او مخالف له؟" واجاب العلماء الحضور وكان من بينهم الشيخ عبدالله العنقري والشيخ عبدالله بن زاحم والشيخ ابو حبيب الشثري، بأن هذا هو الحق ولا يصلح الراعي والرعية إلا بذلك فمن اطاع فقد ادى الواجب الذي عليه ومن ابى فقد عصى ويجب تعزيره بقدر ما تستحق جنايته. ونقلت صحيفة أم القرى تلك البيعة الجديدة التي بايع من خلالها الشعب ممثلاً في رؤساء قبائله وعلمائه ورجالات المجتمع، بايعوا الملك عبدالعزيز قائلين: "هذا ما كنا نريد ان نطلبه منك وهو الذي نعاهدك على قبوله ونطلب منك ان تعاهدنا على تقويم الامر على هذا الاساس". هذه الصورة التاريخية تعطينا وبكل وضوح الدلالة على الصلة القوية بين القيادة والمجتمع في تلمس الاصلاح والاتفاق على مبادئه وثوابته. كما يتبين لنا من هذا الموقف التاريخي ايضاً تركيز الملك عبدالعزيز على اهمية معالجة المشكلات وما سماه بالشرور الداخلية من خلال الامور الاربعة التي طرحها بوضوح وايجاز التي هي الأسس لأي اصلاح تنشده المملكة العربية السعودية. وهذه الاسس هي عامة ويدخل في إطاره الكثير ولا تعني عدم استيعاب اشياء جديدة تهدف الى تحقيق الاستقرار والرفاه والمشاركة والشفافية على الاطلاق.
والله الموفق.. بقلم: فهد السماري-جريدة الرياض).
التعليق:
../ هذا وقد سار أبناء المؤسس وأحفاده رحمه الله تعالى، على نهجه، في الإصلاح بين الناس، فطوروا أدواته وباشروا الإصلاح بأنفسهم واختاروا رجاله من نُخب المجتمع، كما دعّموا طرق وجهات اصلاح ذات البين في البلاد، حتى أضحى هذا المنهج سبباً بعد توفيق الله في القضاء على كثير من الخصومات والمشاكل وحل العديد من القضايا المعقدة مما ساهم في تخفيف الأعباء على المحاكم ومخافر الشرط وكثير من الجهات الرسمية والأهلية ، سيما وأن المجتمع السعودي، يعتبر من اكبر وأميز الحواظن للتقاليد الإسلامية العريقة والاخلاقية العربية الأصيلة، والتي تساعد كثيراً في ترسيخ مفاهيم الإصلاح بين فئات المجتمع وأسرهُ وأفراده،خاصة وأننا نتوارث هذا المبدأ في حل قضايانا ونزاعاتنا أباً عن جد، قادةً وشعباً، ممتثلين أمر الله عز وجل في قوله تعالى {لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍۢ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} ومقتفين أثر أعظم مصلح بين أهل الارض قاطبة/ محمد ابن عبدالله صلى الله عليه وسلم،الذي أخبر: أن الإصلاح بين الناس أفضل من تطوع الصيام والصلاة والصدقة.
نسأل الله يديم أعوام الخير والسلام والامن والإصلاح على بلادنا إلى قيام الساعة، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
ركبان القرني-
أمين لجنة الإصلاح بمحافظة بلقرن.





التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً