مجلس إدارة منصة شهاب الإعلامية
كتاب بلقرن تاريخ وحضارة
انشر مقالك
كتاب لاتحزن
العَرضَةُ تحتَضِر ..

العَرضَةُ تحتَضِر ..

حجم الخط

 

كتبه : أبو مشاري 

دَنَت إجازةُ الصيفِ وبدأت بوصلاتُ الجنوبيين تهتزُّ لتتجهَ إلى أرضِ الجنوب ..

فالجنوب هو متنفَّسُ الموظفِ والطالبِ ورَبّةِ المَنزلِ وكل إنسانٍ يقضي شهورَه العشرةَ في كَدٍّ ورتابةٍ ترهقه حتى النخاع .

يتجهون للجنوب وكلّهم أملٌ في نفْثِ جوانبِ السَأَمِ والإعياءِ التي ترسّبَت على مَدارِ العامِ بفعلِ المسؤولياتِ وصَخَبِ المدنِ وتلوثِ هوائها .

فهم يجدون في الجنوبِ الهواءَ العَليلَ والمنظرَ الجميل ، ويُرفِّهون عن أنفسِهم بما يتميَّزُ به الجنوبيون في مناسباتِهم وإحتفالاتِهم التي قَلَّما كانت تخلو تلك المناشط من لون العرضة الجنوبية بشكلٍ شبه يومي خلال الصيف .

فهي تمثِّلُ لهم الأصالةَ ورقصةَ الحربِ التي تشوْشُ معها الرؤوسُ وتبتهجُ لها النفوس .

غير أنه في السنواتِ الأخيرةِ لوحظَ تناقصُ الإهتمامِ بلونِ العرضةِ سواءً في الجنوبِ أو لدى أهلِ الجنوبِ القاطنين في مدنِ الغربيةِ والوسطى والشرقية والشمالية ، حيث بدأ الناسُ ينحَون إلى ما يرونَه أسهل جُهدًا وأنسبَ مكانًا وأقلَّ تكلفة ، فنشأت فكرةُ الشيلاتِ التي أستحسنها الكثيرون وبدأت تزاحمُ لونَ العرضة ذات الطابع المميز في نكهتها ومنظر ممارسيها ، حتى أن بعضَ شعراءِ العرضةِ بدأوا يستسلمون لهذا البديلِ فأتجهوا لقصائدِ الشيلاتِ مما أوجدَ القناعاتِ لدى بعضِ الناسِ أن الشعراءَ الذين يُعدُّون فرسانُ لونِ العرضة لا يرون ممانعةً لهذا اللون المقتحِم للمناسباتِ لينافس لونهم الأصيل .

إن متعةَ العرضةِ بالصوتِ المصاحبِ لها بلسانٍ واحدٍ وحُنجرةٍ واحدة ونَسَقٍ واحدٍ أخّاذٍ وأزياءٍ ساحرةٍ بتناغمِها من ثيابٍ وأحزمةٍ وجَنابي تحكي موروث المنطقة وزيرِ المنطقةِ والزيفاتِ الرائعة والشعرِ الأصيلِ الذي ينبعُ من صخورِ المنطقةِ ويحكي مفرداتِ أهلِها ، كل ذلك لا يمكن تعويضُه بلونٍ أو ألوانٍ لم نعهدها ، ولكنها لو فُرضَت علينا تلك الدخائل بحُكمِ الواقعِ ودورةِ الحياةِ فسوف تكون أقلَّ مُتعةً وجَذبًا حتى تستسيغها الأجيال ويرون فيها ما يروي الظمأ .

حدّثني نَفرٌ من الناسِ بأن بعضَ فئةِ الشباب حينما لم يعودوا يجدون متنفسَ العرضةِ فقد أتجهوا في المناسباتِ في المدن تحديدًا لجلبِ فِرَقًا فنّيّة قد لا تتواءمُ مع ألوانِنا الجنوبيةِ ويرونها عِوضًا عن لون العرضة .

يا لشفقتي عليك أيتها العرضةُ التي طالما أستمتعَ أهلُ الجنوبِ في ميادينِك وكل من يشاهدُك في غيرِ مكان ، أقول ذلك وأنا أشاهدُ التحدياتِ أنهالت عليك من كل صوبٍ كمثل ما يلي :

١ - فالناسُ لم تعودي تغرينهم بسببِ فئامٍ من البشر قالوا لنا في العقود الأخيرة أن الزيرَ حرامٌ وأن الرسولَ صلى الله عليه وسلم وصحابتَه رضوان الله عليهم لم يكونوا يتمايلون ، حتى زهَّدوا الناسَ فيك وانقطعَ جُلُّهم عنك ، فذبُلت أغصانُك وأنحنى عودُك .

٢ - رأى بعضُ الشباب هذا الفراغَ الترفيهي مُملًّا ، وبحكمِ حماسِ فترةِ الشباب وطبيعتِهم في هوى التفاعلِ الجسدي والرقص البريء لم يجدوا مجالًا سوى تعويضِ رقصتِك الحربيةِ الغائبةِ برقصاتٍ هي أبعد منك قبولاً لدى الآباء فمالوا إليها .

٣ - بالَغَ بعضُ شعرائك أيتها العرضة الأصيلة في أجورِهم فتراجَعَ الطلبُ من البعضِ عن إحياءِ حفلاتِهم بكِ كلونٍ أصيل .

٤ - تم إستبدالُ زيرك بزير بيشة الذي لا يتفق مع لونِك فأخَلَّ بجمالِك وبتناغمِ العرّاضة حتى ضاعَ الجمالُ وتقهقرَ الذوّاق . 

٥ - حتى الكثيرَ من الشِعرِ في لونِك أيتها العرضةُ المحتضرةُ في العقودِ الأخيرة  ضاعت لَذتُه ومفرداتُه الأصيلةُ ودخَلَت عليك ألوانٌ من القصائدِ لم تعُد تستهوي الناسَ بألحانِها ومفرداتِها كما كنا نسمعُ من شعراءِ الأجيالِ السابقة والتي لا زلنا نطربُ لهم ولنتاجِهم الشِعري حتى يومِ الناسِ هذا .

أعتَرفُ لك أيتُها العرضة بوجودِ عقوقٍ أو غُبارِه في حَقِّك من قِبَلِنا ، فمعذرةً ملاذَنا الترفيهي ،  وأكادُ أسمعُ لسانَ حالكِ ينحَى إلى الفُصحى فينشد :

أضاعَني الأهلُ واختاروا لي البدّلَ ..

وأكثروا في جَنابي العقَ والجَدَلَ

أستبدَلوني بثوبٍ لا يناسبُهم ..

فَرَفَّ جَفني لِحافُ العينِ وانسَدَلَ 

من يُبلِغَ الأهلَ أني جِدُّ أحتضِرُ ..

إن يدركوني وإلا الحَتفُ قد نَدَلَ

دمتم أوفياء .

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية