البطالة المقنعة
في الوقت الذي تتفاخر فيه الشركات والمؤسسات بتحقيق نسب توظيف مرتفعة وتسجيل أرقام على الورق تخفي الأروقة الإدارية والمكاتب اواقعا مؤلما يعرف بالبطالة المقنعة ذلك المرض الصامت الذي ينخر في عافية التنمية ويهدر الطاقات البشرية بلا إنتاج ولا أثر حقيقي
البطالة المقنعة لا تعني غياب الوظيفة بل تعني وجود العامل في وظيفة دون أن يكون له عمل حقيقي منتج أو أن يوظف في مكان لا يستثمر كامل قدراته وإمكاناته أو أن يعمل عدد من الأفراد في مهمة لا تستدعي سوى واحد أو اثنين
وتزداد هذه الظاهرة حدة عندما ترتبط بالسعودة الشكلية حيث تسجل بعض المؤسسات أسماء سعوديين في أنظمتها فقط لتحقيق نسب التوطين المطلوبة دون أن يكون لهم حضور فعلي أو مساهمة إنتاجية حقيقية مما يتيح لها استقدام مزيد من العمالة الأجنبية بحجة استيفاء شروط السعودة وهذه الممارسات تجعل السعودة مجرد وسيلة نظامية لاستمرار الاعتماد على العمالة الاجنبية دون خلق وظائف حقيقية للمواطنين
وتسهم العمالة الأجنبية في استمرار البطالة المقنعة حين تمنح الأفضلية في الأعمال والمهام بينما يركن المواطنون في وظائف مكتبية غير فعالة أو شكلية مما ينتج عنه بقاء الأجنبي في موقع الإنتاج والمواطن في موقع الحضور فقط وهو ما ينعكس سلبا على مخرجات العمل ويضعف الأثر الاقتصادي والاجتماعي للتوظيف
وتتجلى مظاهر البطالة المقنعة في المؤسسات التي يتكدس فيها الموظفون على مكاتب بلا مهام أو في الوظائف التي تعتمد على التوقيع الصباحي والانصراف دون إنجاز أو حين يجبر شخص مؤهل علميا وتدريبيا على أداء أعمال لا تتناسب مع تخصصه ولا تطوره وفي القطاع الخاص قد تستحدث وظائف شكلية فقط لإرضاء متطلبات السعودة دون أن يكون لها مردود فعلي أو احتياج حقيقي
ومن أبرز أسباب تفشي الظاهرة سوء التخطيط الوظيفي والاعتماد على الوساطة لا الكفاءة ونقص التدريب وضعف بيئة التحفيز وعدم وجود رقابة فعلية على الإنتاجية والاعتماد على أنظمة توظيف تقليدية لا تميز بين الموظف المجتهد والمقصر
وتكمن خطورة البطالة المقنعة في أنها تهدر الموارد وتكلف الدولة والمؤسسات مبالغ طائلة دون مقابل إنتاجي كما تحبط أصحاب الكفاءة حين يساوى بينهم وبين المتكاسلين وتعزز ثقافة التبلد واللامبالاة وتخلق بيئة عمل مترهلة تعيق التقدم والتطوير
ولمعالجة هذه الإشكالية لا بد من تفعيل الرقابة على التوظيف الفعلي لا الورقي وربط السعودة بالإنتاجية الفعلية وتطبيق نظام الحوافز والمساءلة وتطوير مهارات الكوادر الوطنية لتمكينها من شغل الوظائف النوعية وخلق بيئة عمل جاذبة تنافس فيها الكفاءة لا المجاملة كما يجب إعادة النظر في آليات الاستقدام بحيث تكون مبنية على الاحتياج الحقيقي لا على استغلال نظام السعودة لتبرير الإغراق بالعمالة الأجنبية
وفي الختام فإن البطالة المقنعة ليست مجرد خلل إداري بل هي بوابة لهدر الفرص وتجميد القدرات ولا تنجح أي رؤية تنموية دون مواجهة هذه الظاهرة بوعي وشفافية وعدالة تضع الشخص المناسب في المكان المناسب وتحاسب كل من يعبث بميزان التوظيف ويحول الأنظمة إلى أوراق شكلية تخدع الواقع ولا تخدمه




التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً