مجلس إدارة منصة شهاب الإعلامية
كتاب بلقرن تاريخ وحضارة
انشر مقالك
كتاب لاتحزن
نَهْرُ الحَياة

نَهْرُ الحَياة

حجم الخط

 

كَتَبَه : أبو مشاري

تَوطِئَة :

 في بَعضِ الأعرافِ الإجتماعيةِ لا زال تَقييدُ مَديحِ وإطراءِ الزوجةِ بل والثناءِ على الأنثى بشَكلٍ عامٍّ على المَلَأ ، لازال يَنشِبُ أظفارَه فينا ، فيَحِدُّ من شُكْرِهِن ومَدحِهِن ، خُصوصًا إذا كانت المرأةُ مُتَناوَلةً بعينِها كأسمِها أو كنيتِها . لكنني هُنا تَجاسَرتُ على حَلْحَلَةِ هذا القَيدِ وَفاءً لشقائقِنا الغاليات ، ولعلّي أَتّقي سِهامَ النقدِ بما عَنيتُهُ من خالصِ الوفاءِ وصَفاءِ النِيَّةِ حينَ أختَصَّيتُ زوجَتي رفيقةَ دَربي في هذا المقال والقَصيدة .

-------------------------------

 مُنذُ أربَعينَ عامًا كان عَقْدُ قِراني أعقَبَهُ بِنائي بزوجتي ( أم مشاري ) أدامَها الله ..

أمضَينا خلالَ تلك العُقُودِ الأربعةِ حتى يومِنا هذا أجمَلَ سِنين أعمارِنا فَضْلًا مِن اللهِ ونِعمَه ..

كانت أُمُّ مشاري - ولا زالت - في قِمّةِ مَعاني الزوجةِ الصَالحةِ الطائعةِ لربِّها ولزوجِها ، المديرةِ لشئونِ بيتِها ، المربّيةِ القديرةِ لأبنائها وبناتها ، والحانيةِ على الأسرةِ بكل ما في الكلمةِ من مَعنى .. أحسَبُها كذلك ، وقد رَزَقَني اللهُ وإياها من فَضله وسَعَتِه ثلاثَ بناتٍ ثم وَلدَين ، رَعاها اللهُ وإيّاهم  ..

وفي الواقِعِ فقد كُنت مُلازِمًا لها ولبَيتي وأُسرَتي ولم أعتَد على السَفَرِ والغيابِ ( طَويلًا ) بدون زوجتي ، مما جَعَلني مُعتمِدًا عليها كُلّيًّا بعدَ اللهِ في إدارةِ البَيتِ والأُسرةِ وفي تَدبيرِ أموري الشَخصيةِ فضلًا عن دورِها في إضفاءِ أجواءِ السعادةِ والصَفاءِ في الحِلِّ والتِرحال كحالِ أغلَبِ الأُسَر ..

إلا أن إحدى الإجازةِ الصَيفيَّةِ تزامَنَت مع حُدوث ظَرفٍ لَدى والدةِ زوجتي ، الأمرُ الذي أستدعى بَقاءَ زَوجَتي معها في مَدينةِ جِدة وحَالَ دونَ تَمكُّنِها من السَفَرِ معي لأرضِ الجنوبِ وتحديدًا محافظةِ بَلقرن جَريًا على العادَةِ السَنويَّة في كلِّ إجازةٍ صَيفيّة ، وبالتالي وجَدتُ نفسي مَحَطَّ إختبارٍ لحياةِ ( الأعزَب ) المُعتمِدِ على نفسِه خِلالَ هذه الصَيفيّةِ كاملةً بعد هناءِ الأربَعين عامًا من الدَلالِ الأُسَري لشَخصي المَحظوظِ والحمدُ لله .

هنا تنامَى إدراكي إلى أن المَرأةَ الصَالحةَ هي نَهرُ حياةٍ للرَجُل ، فهو بالعادة لا يَشعُرُ بالطعمِ الحقيقي للصَفاءِ والإستقرارِ والسعادةِ إلا بوجودِ زوجةٍ صالحةٍ وأسرَةٍ بارَّةٍ يَمنحُهُ ظِلُّهُا الوارِفُ بَردًا وسلاما ، وتَتَأتّى مع ذلك جَمالياتُ الحياةِ بعد فَضلِ اللهِ .

وفي تَجرُبتي الفريدةِ السائرةِ في بَلقرن بَدَيتُ لِمَن حَولي كَمَن تَفَلَّتَ من عِقالِهِ الأُسَريِّ وتَبِعاتِه ، بَيدَ أنني على أرض الواقع وجَدتُ نَفسي فعلًا أملُكُ الكثيرَ من الوَقتِ ، ولكن في مَقابلِ غيابِ الرعايةِ والإهتمامِ والأُنْسِ المعهودِ من زَوجتي وأُسرَتي الصَغيرةِ لأولِ مَرَّةٍ مُنذُ بِنائي بزوجتي وتَكويني لهذه الأُسرَةِ البارَّة .

ومع شعوري أنني كمن هوى من شاهقِ إلا أن إزدحامَ الإجازةِ بالفَعالياتِ والتواصلِ مع الأقاربِ والأصهارِ والأصدقاءِ وعِليةِ القومِ قد خَفَّفَت من وَطأَةِ البُعادِ عن الزوجةِ والأُسرةِ ، والإنغِماسِ في حياةِ الأعزبِ مُجدَّدا .

وبِتأمُّلي في هذه المُفارقاتِ بين ما كانَ وما هو كائنٌ ، وإدراكي أن الزوجةَ هي عِمادُ حَياةِ الزوجِ ، فقد تَفتَّقَت قَريحَتي الشِعريةُ بقَصيدَةٍ قًصيرةٍ أهدَيتُها لزوجتي ( أُمِّ مشاري ) تعبيرًا لها عن بعضِ الوفاءِ اليَسيرِ ، وتقديرًا لشَخصِها الكريم ، وأسمَيتُ هذه القصيدةَ ( نَهرَ الحياة ) لإدراكي أنَّ الزوجةَ الصالحةَ هي أحَدُ أسبابِ السعادةِ ، وهي نَهرُ الحَياةٍ المُتدَفِّقُ عَطاءً وطاعةً هَيَّأهُ اللهُ لكي تَبتَلَّ به عُروقُ الزوجِ وسائرُ جَسَدِه ، فتنعكسُ السعادةُ على الزوجةِ والأسرةِ فتَمضي الحَياةُ في أمانٍ الله .

فقُلت في القصيدة :

-------------

نَهْرُ الحَياة ..

يا لَيلَ ( بَلقرن ) مَهْلًا عَلَّني السَهَرُ ..

ولاعِجُ الشَوقِ يُضنيني ويَستَعِرُ 

الأربَعونَ رَبيعًا في نسائمِها ..

ما حَلَّ ضَيمٌ ولا بَونٌ ولا ضَجَرُ 

أسبابُ مَن أجْلَتْ الأحزانَ عِشرتُها ..

فأشرَقَتْ شَمسُها والليلُ يَنحَسِرُ 

مِن بَعدِ فَضلِ كَريمٍ لا مَثيلَ له ..

الخَلقُ يَحمَدُهُ .. أُنثَاهُ والذَكَرُ

واليومَ يَنأى مكاني عن مَنازِلِها ..

نَهرُ الحياةِ فِداها السَمعُ والبَصَرُ

رَفيقةُ الدَربِ ما بي حِينَ أذكُرُها ..

إلا أنجَلَت عنّي الوَعثاءُ والكَدَرُ 

أختَرتُها من كِرامِ الناسِ في زَمَنٍ ..

ما حَلَّ في خافِقي من قَبلِها بَشَرُ

كَرِيمةُ النَفسِ مِطواعٌ لها أدَبٌ ..

جَمٌ لَطيفٌ وفيه الحِلْمُ ينتَصِرُ 

عِشنا كنَبتَةِ رَيحانِ حَدائقُها ..

مُروجُ عُشْبٍ طَريٍّ ظَلَّه الشَجرُ 

أدفَتْ جناحاكِ أطفالي فكُنتِ لَهُمْ ..

أُختًا إذا لَعِبوا أُمًّا إذا عَثروا ..

مَنَحتِني من عَميق الروح مَكرُمَةً ..

وَردًا ثلاثًا بها الباقاتُ تَزدَهِرُ 

ومِن خِيارِ شَبابِ الجِيلِ لي أملٌ ..

بأن أرى فيهِما الورداتِ تفتَخِرُ 

نعمَاكِ إبنةَ عَمّي خَيرَ مُؤنِسةٍ ..

وفي فؤادي غَزيرُ الوُدِّ يَنهَمِرُ 

لولا حَيائي مِن الرَحمنِ هِمْتُ بِمَن ..

شادَت لها مَسْكَنًا في القَلبِ يَنغَمِرُ

أَبقَى لي اللهُ نَهرًا لا نُضوبَ لَهُ ..

يَنسابُ حَدرَ رَوابٍ غاثَها المَطَرُ

دمتم أفياء 

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر


أضف تعليقاً
⏳ التعليقات تخضع للموافقة قبل النشر.
← العودة للرئيسية