حوفانُ الذي رَحَل
كتبه : أبو مشاري
عندما يكتُبُ الإنسانُ في جانبٍ مُعيّنٍ فلا شَكَّ أن مُعطَياتِ ذلك المَجالِ تَتَغشَّاهُ بمختلفِ أبعادِها فتتدفقُ تلك المُعطَياتُ من ريشتِه على صَفحةِ قِرطاس ، أو من لوحَةِ جِهازٍ إلى شَاشَه .
ولكن عندما يتناولُ ذلك الكاتبُ رَحيلَ شَخصٍ عزيزٍ عليه عن هذه الدنيا فإن بُعدَ الحُزنِ يتملّكُه حتى لكأنه مُقيّدٌ بالإغلالِ ، فلا فِكرةٌ صافيةٌ أمامَه ، ولا كلماتٌ حاضرةٌ ، بل هي مَشاعرٌ مُبعثرَةٌ لا تعدو كونها هَذَرًا مُتناثِرا ..
ذلك هو ما تَمَلَّكَني وأنا أكتبُ ما بي حَولَ رَحيلِ صَديقِ والدي المُقَرَّب بالأمس ( العم حوفان بن محمد آل سابر ) عليه شآبيبُ الرَحمةِ والغٌفران ، حين هَزّني الحَدَثُ وآلمَني ، فجعلت أُلملِمُ أفكاري وكلماتي لعلّي أبلُغُ ولو قَليلَ بَوحٍ مما يَمتلئُ به صدري من الأسى ، مع إدراكي كمسلِم أن لكلِ أجلٍ كتاب ، وأن الكُلَّ سوف يَرحلُ ولن يَبقَ سوى وَجهُ ربي ذو الجلالِ والإكرام .
كنت في البُكورِ من صباحِ أمسِ الأربعاء في الرياض وكنت على تواصلٍ مع أخي وصديقي الدكتور سعيد بن حوفان حيث كان يسأل عن والدي ويَطمئِن عليه ، ثم سألته عن صحةِ والدِه العم حوفان فكان يُطمئِنُني ، غيرَ أنني كنت خلالَ التواصلِ أشعرُ بنبرةِ ألَمٍ في صَوته وبين كلماته .
وقُبيلَ الظُهرِ من نفسِ اليوم غادرت من الرياضِ بالسيارةِ بصُحبة زوجتي متّجهين إلى جدة ، وبينما نحن في الطريقِ على مَشارفِ بَلدةِ القويعيةِ إذ بوالدي يتّصلُ عليّ من جدة وسأل عنا وكنت أشعرُ بإهتزازٍ في صوتِه قبل أن ينقطعَ الإتصال ، فأعدتُ التواصلَ معه ، فإذا به يسألني عما إذا كان لديَّ أخبارٌ عن العم حوفان ؟
فقلت له كنت على تواصل مع إبنه الدكتور سعيد في الصباح ، وكنت أستشعِرُ من كلامه أن صحةَ والده غير مُستقرَّةٍ وكان يدعو له بحرارة .
فقال يا ولدي وصلني قبل قليل نَبأُ وفاتِه رحمه الله ، وكان في لحظةِ حُزنٍ حارقٍ كونه صديقَه المُقرَّبَ منذ مرحلةِ الشبابِ حتى تجاوزُ كلٌّ من الإثنين المِئةَ عام ، وجَعلَ يُعدِّد لي مناقبَ العم حوفان التي طالما حَدَّثني كثيرًا عن تلك المناقبِ والمآثرِ من قبل . فقال كانت لا تأتيني مِشكلةٌ إلا وأجدُ عمَّك حوفان بجواري ويفزع لي في السَرَّاءِ والضَرَّاء ، وكنتُ معه كذلك ، وعَدَّد لي صفاتِه من كَرَمٍ وشجاعةٍ وصَفاءِ قلب ، وكيف أنه كابدَ في حياتِه كثيرًا في حاضرةِ القبيلةِ وفي تهامة حتى رَبَّى أسرةً من أفضل أُسَرِ بلقرن مِنهم رَجلُ الأعمال ، ومنهم الأكاديمي بالجامعة ، ومنهم من أبدعَ في سِلك التعليمِ العام ، ومنهم مَن هم في غير ذلك من القطاعات ، وكان لا يحدثُ أي موضوعٍ للقبيلةِ إلا وحوفان رحمه اللهُ حاضِرًا في المُقدِّمةِ باذلًا ومُعينا .
وقد نزَلَ عليَّ هولُ الخبرِ من والدي كالصاعقةِ رغم علمي بمرضِ العم حوفان الذي كان يعاني منه طويلا ، وكنت قد زرته أنا ووالدي وأخي أبو مهنّد في مرضِه خلالَ الصيفيةِ الماضيةِ بمحافظةِ بلقرن ، إلا أن خَبرَ وفاةِ أيِّ شخصٍ عزيزٍ له صدمتُه الأولى حيثُ يقفِزُ شريطُ حياتِه ومواقِفِه إلى الأذهانِ في لَحظةِ ألَمٍ يكوي الأكباد .
رحِمَك اللهُ يا أبا عبدالرحمن وغفرَ ذنوبَك وأدخلَك الفردوسَ الأعلى من الجنة ، ولقد تركتَ فينا أثرًا ممزوجًا بالألم الحارِّ وبالذكرى الجميلةِ لمواقِفِك التي لن يمحوها الزمن .
وأقولُ لأبناءِ العم حوفان رحمه الله .. كُلٍّ من :
١ - عبدالرحمن بن حوفان
٢ - د / سعيد بن حوفان
٣ - محمد بن حوفان
٤ - علي بن حوفان
٥ - مرعي بن حوفان
٦ - عبدالله بن حوفان
٧ - سابر بن حوفان
٨ - يوسف بن حوفان
أقولُ لهم .. صَبرًا أخواني الكرام ، فوالدُكم لم يمُت حينَ عَقَّبَ وراءَه رِجالًا كرامًا بَررة ، بل هو أنتَقِل إلى إلى كريمٍ عَفُوٍّ غَفور ، وَسِعَت رَحمتُه كُلَّ شيء ..
ثم أحسن الله عزاءَكم وجَبَر مُصيبتَكم وألهَمَكُم الصَبر ، ولا نقولُ إلا ما يُرضي رَبَّنا ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .




التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً