الشعر حين يصنع الصلح
لا شك أن إصلاح ذات البين من أحب الأعمال إلى الله، لما يترتب عليه من رأب الصدع وتقوية أواصر المحبة وإزالة أسباب الخصومة والقطيعة وإحلال روح الألفة والتسامح والتعاون بين أفراد المجتمع .. فهو عمل نبيل تتجسد فيه أسمى القيم الإنسانية والاجتماعية وتسهم فيه الكلمة الصادقة كما يسهم فيه الموقف الحكيم ..
ومن أبلغ وسائل التأثير في هذا الباب توظيف الشعر في خدمة الصلح والإصلاح فالشعر لم يكن يوما مجرد كلمات موزونة ولكن كان رسالة اجتماعية وتربوية وأخلاقية يطفئ نار الفتنة ويقرب وجهات النظر وينقي النفوس ويستنهض مكارم الأخلاق والشيم العربية الأصيلة ..
وفي هذا السياق برز الأستاذ والشاعر القدير ظافر بن نجمة بحكمته ووعيه مستثمرا شاعريته المتميزة في الدعوة إلى الصلح وتذكير المتخاصمين بروابط الأخوة والجيرة ودفعهم إلى التسامح والعفو .. وقد جاءت قصيدته محملة بالمعاني الصادقة والرموز المؤثرة حتى بلغت رسالتها القلوب قبل الآذان ..
وكان المشهد الأبرز في القصيدة قوله: "أنا أبيض بوجهك وأحذف عقالي"، ثم قيامه برمي العقال باتجاه الأستاذ مسفر، في صورة رمزية تحمل دلالات عميقة فالعقال موضعه الرأس وهو أشرف ما يعلو الإنسان وإلقاؤه بهذه الصورة يعد نداء للنخوة واستثارة للمروءة والكرامة للاستجابة لطلب الصلح .. إنها حركة بسيطة في ظاهرها لكنها في حقيقتها لغة بلاغية راقية استطاع الشاعر من خلالها أن يحول الرمز إلى رسالة والموقف إلى وسيلة إصلاح مؤثرة ..
ولم يكن هذا النجاح وليد القصيدة وحدها وإنما كان ثمرة حكمة الشاعر ومن رافقه في هذه المهمة المباركة ممن سعوا بإخلاص إلى جمع الكلمة وإزالة أسباب الخلاف فاستحقوا كل التقدير والثناء على جهودهم في إصلاح ذات البين ..
كما أن الطرف الذي استجاب لمبادرة الصلح كان على قدر كبير من الشهامة وكرم الأخلاق إذ قابل المساعي بالرضا والقبول والعفو مؤكدا أن النفوس الكبيرة هي التي تنتصر لقيم التسامح وتقدم المصلحة العامة على كل اعتبار ..
وقد أثبت الشاعر ظافر بن نجمة مرة أخرى أنه أحد أقطاب الشعر المتزن الرصين الذي يجمع بين أصالة الموروث وروح العصر ويجعل من القصيدة وسيلة لبناء الجسور لا لإقامة الحواجز ولزرع المحبة لا لتأجيج الخلاف ..
وهكذا تتجلى القيمة الحقيقية للشعر حين يغادر دائرة الوصف إلى صناعة الأثر وحين يتحول البيت الشعري إلى مبادرة والرمز إلى موقف والكلمة إلى جسر يعيد القلوب إلى صفائها لتبقى قصائد الإصلاح شاهدا على أن الكلمة الصادقة قادرة على صنع الصلح وترسيخ قيم الوفاء والشهامة والتسامح في المجتمع ..




التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً