بين الامس واليوم في بلاد بلقرن
عندما نرجع بذاكرتنا قبل حوالي خمسين سنة نجد ان الحياة كانت تمشي بطريقة بسيطة تحكمها ظروف البيئة والامكانات المتوفرة وقتها كنا نعيش في ذلك الزمن وكانت معرفتنا محدودة بما حولنا ولم نكن نتخيل حجم التغييرات التي ستاتي مع السنوات لان المستقبل كان مجهولا بالنسبة لنا وهذا الحال لم يكن خاصا بمنطقة او قبيلة معينة بل كان هو الوضع السائد في الجزيرة العربية مع اختلاف اساليب الحياة بين القرى والبادية حسب طبيعة كل مكان وظروفه
وتنقسم المنطقة الى قرى وبادية وتهامة فالقرى هي الاماكن المستقرة التي يعتمد اهلها على الزراعة وتربية الماشية والسكن في البيوت الحجرية وكانت تتميز بتوفر الموارد الزراعية بشكل افضل نسبياً اما البادية فهي حياة التنقل والترحال وراء الماء والمرعى حيث يعتمد اهلها على تربية الابل والاغنام والتنقل المستمر بحثاً عن مصادر الحياة اما تهامة فهي المناطق المنخفضة والحارة التي لها طبيعتها الخاصة وتتنوع فيها الزراعة والتجارة بما يناسب بيئتها
ولان الحياة في ذلك الوقت كانت تعتمد على العمل اليومي والجهد المستمر كانت الزراعة وتربية الماشية اساس المعيشة وكان الناس يعتمدون على ما تنتجه الارض من محاصيل موسمية مثل القمح والشعير والذرة و(البلسن) وهو العدس الى جانب تربية الاغنام والابقار والابل وكان بعض الاهالي يعملون في تجارة البيع والشراء في المواشى وماتنجة وكذلك تجارة العسل من خلال امتلاك خلايا النحل مما كان يوفر لهم مصدر رزق اضافي ويعكس اعتمادهم على انفسهم وتنوع اعمالهم
وكان توفير الماء من اكبر التحديات اليومية حيث كان الناس يعتمدون على مياه الامطار ومياه الابار التي تستخرج بالطرق القديمة باستخدام الدلو للاستخدام اليومي وما يسمى السووق وهو سحب الماء من الابار لسقيا المزارع بواسطة البقر وكان هذا العمل يتكرر يوميا ويبين مقدار التعب والجهد الذي كان يبذله الاباء والاجداد كما كانوا يتعاملون مع المحاصيل مثل القمح والشعير والذرة بطرق بسيطة تعتمد على العمل اليدوي
ولم تكن الحياة وقتها مثل ما نعرفه اليوم فلم تكن هناك كهرباء ولا طرق معبدة وكانت وسائل النقل تعتمد على الدواب بانواعها المختلفة فالابل والحمير كانت وسيلة التنقل ونقل الاحتياجات بين القرى والمناطق وكانت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية
وكانت التجارة مرتبطة بحياة الناس وتعتمد بشكل كبير على الاسواق الاسبوعية التي كانت تجمع الاهالي وتكون مكاناً للبيع والشراء وتبادل الاخبار وكان سوق السبت في سبت العلاية وسوق السبت في قرية حجاب وسوق الاثنين في قرية ال سلمة وسوق الاربعاء في قرية البظاظة من اشهر الاسواق التي يجتمع فيها الناس لعرض الحبوب والاغنام والابقار والجمال وغيرها من المنتجات ولم تكن هذه الاسواق مجرد اماكن للبيع بل كانت ايضا فرصة للتواصل والتعارف وتقوية العلاقات بين افراد المجتمع
ولم تكن التطلعات للمستقبل في ذلك الوقت تتجاوز توفير احتياجات اليوم والمحافظة على استقرار الاسرة والمجتمع فقلة التعليم وضعف وسائل الاتصال وقلة مصادر المعرفة جعلت نظرة الناس للمستقبل محدودة مقارنة بما نعيشه اليوم من تطور وانفتاح كبير
ومن خلال النظر الى التغيرات التي حدثت خلال العقود الماضية نلاحظ حجم التطور الكبير الذي مرت به المنطقة فقد انتشر التعليم وفتتحت المدارس والجامعات وتحسنت الطرق والخدمات الصحية واصبحت المياه والكهرباء والاتصالات متوفرة بعد ان كانت امورا بعيدة كما فتحت التنمية مجالات جديدة للعمل والاستثمار وتعلم مهارات وخبرات مختلفة
وتوضح المقارنة بين الماضي والحاضر ان المجتمعات لا تتغير من تلقاء نفسها بل تتقدم بالعلم والعمل والتخطيط واستغلال الفرص فبين حياة الامس التي كانت قائمة على الزراعة والرعي والاسواق المحلية وبين واقع اليوم الذي يعتمد على التقنية والتطور توجد قصة طويلة من التعب والجهد تستحق ان تروى حتى تعرف الاجيال الجديدة ما قدمه من سبقوهم
لقد كانت الحياة بسيطة لكنها مليئة بالقيم والتعاون والصبر كانت الصعوبات كثيرة لكن العزيمة كانت اكبر وهذا ما ساعد تلك المجتمعات على الانتقال من الوسائل التقليدية في الزراعة وسقيا الماء والتجارة الى زمن التنمية الحديثة وستبقى تلك المرحلة جزءاً مهما من ذاكرة المكان والانسان في بلاد بلقرن




التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً