أمي "عليّه" رحيق الطفولة ودفء الجذور
أمي "عليّه" رحيق الطفولة ودفء الجذور
بقلم: أبو حمزة غازي بن محمد آل دميس
طافت بي واحة الذاكرة والجمال
في ذلك الريف الجميل،المحصن بالقرى الوادعة، والمحفوف بالأزهار الشذية، والحقول الحالمة والغابات السامقة بعيداً عن صخب المدينة والمدنية الحديثة وعلى ضفاف وادي تبالة شرقاً ووادي قلمين غرباً، ووادي دغمة جنوباً ووادي المخلد شمالاً حيث جريان الغيول المنبثقة من عيون الوديان والهضاب مترنمة بأعذب ألحان الطيور وجمال الطبيعة الغناء .
وهنا يطوف بخاطري قول الأندلسي ابن خفاجة وهو يصف أنهار الأندلس السليبة وكأنه يترجم روعة ديارنا:
لله نهر سال في بطحاء … أشهى وروداً من لمة الحسناء
متعطف مثل السوار كأنه … والزهر يكنفه مجر سماء
قد رق حتى ظن قرصاً مفرغاً … من فضة في بردة خضراء
وغدت تحف به الغصون كأنها … هدب يحف بمقلة زرقاء
ولطالما عاطيت فيه مدامة … صفراء تخضب أيدي الندماء
والريح تعبث بالغصون وقد جرى … ذهب الأصيل على لجين الماء.
نفحات من التاريخ والذكرى
ومع إطلالة شمس الغداة من وراء جبل "سلعٍ" بالكسر وليس "سلعن" بالنون ، يراودني خاطر بأن هناك ترابُطاً وثيقاً بين جبل سلعٍ في ديارنا، وجبل سلع الموجود في المدينة المنورة الواقع غرب المسجد النبوي بحوالي 500 مترا ، والذي واجه على سفحه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأحزاب في معركة الخندق الشهيرة.
وأتوقع -والله أعلم- أن جبل المدينة مُسمّى على جبل سلعٍ بديارنا لأن سكان المدينة آنذاك من قبيلتي الأوس والخزرج الذين تعود أصولهم إلى اليمن، ونحن جزء لا يتجزأ من مسمى اليمن في تلك الحقبة الزمنية الغابرة. ومن المعلوم تاريخياً أن من يهاجر من بلد إلى بلد يُسمّون المواقع التي سكنوها بأسماء ديارهم التي رحلوا منها في الغالب وقد شاهدنا ذلك ببلاد الشام وشمال وغرب أفريقيا وغيرها .
لقد نشأنا وترعرعنا ونحن لا نرى في الوجود آنذاك أعظم من ذلك الجبل "سلعٍ" ، ولا أجمل من انسياب الضباب عليه بلطف منحدراً من الجنوب إلى الشمال وكنا نرتجز صغاراً بكل عفوية وبألحان شجية:
«يا عمى عماية، أردي سوق العلاية، واشتري لنا بنٍ وحواية...»
مجتمع الطُّهْر والتلاحم
في تلك الأجواء الربانية الخلابة، نشأنا في مجتمع مترابط، متحاب، ومتآلف فكنا نرى كل كبير من الرجال في مقام الأب بعلو قدره وهيبته، وبتلطفه عندما ينادينا : "يا أهل أبوك" والتي كانوا يدمجونها في لهجة دافئة: "ياهلبوك".
وكانت الكبيرة من النساء في مقام الأم بحنانها وعطفها، فتنادينا بألطف عبارة: "يا أهل أمك" وبالدمج: "يهلمك". فتشعر حينها بصدق العبارة وعمق العاطفة في حنايا تلك الكلمات الرائعة.
"أمي عليه".. مدرسة الاحترام الخالدة
ومما أذكره بوفاء وإجلال، أن أمي (نورة) -عليها رحمة الله- كانت تعلمنا وتلقننا عبارات تربوية جميلة لا أظن أن فطاحلة التربية الحديثة يجارونها في اصالتها . فكانت عندما ترسلنا إلى جاراتها تقول لنا:
"رح لأمك فلانة وأعطها هذا، أو قل لها أمي تقول تعالي تبغاك".
ومن ضمن جاراتها اللواتي عطرن تلك الأيام: أمي عليّه بنت شبنة، حرم علي بن مزهر (عليهم جميعا رحمة الله).
فمنذ فطرت على الدنيا -أنا وأخوتي الذين تجاوز بعضهم السبعين من أعمارهم- لم نكن نعرف أن ننادي جاراتنا بأسمائهن المجردة بل لابد أن تتقدمها عبارة "أمي فلانة" احتراما وتقديرا لها. ولم يكن هذا خاصاً بـجارتنا "امي عليّه" وحدها، بل بكل الجارات الأخريات.
وفاء للأصل وحنين للماضي
أما في زمننا هذا، الذي تعددت فيه وسائل وأساليب التربية الحديثة، فلا تكاد تجد مثل هذا التقدير والاحترام -حتى مع أقرب الأقربين- بل تجد الجفوة من الكبار وعدم المبالاة من الصغار، فلم يبق أي قيمة لتلك القيم والمبادئ الخالدة إلا في بعض من رحم الله
ولهذا، صدق أبو العلاء المعري حينما قال: وينشأ ناشئ الفتيان منا … على ما كان عوده أبوه
فما أجمل أن نربي أبناءنا على احترام أقاربهم، وما أجمل أن يتلطف الكبار مع الصغار وان نعودهم على صلة الرحم واحترام الكبير وان يعطف الكبار على الصغار لتسود بين أبناء المجتمع علائق المحبة والوصال، والتآلف والتسامح والتعايش بسلم وأمان في رضى الرحمن ، هذه خاطرة اثارتها وفاة امي عليه بالامس.
دمتم بود، ورحم الله والدتي، وأمي عليّه، وأمواتنا وامواتكم وجميع اموات المسلمين وجمعنا بهم في دار كرامته.




التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً