تنبيه : زال الخطر عن المنطقة
هل أفرح باليوم الوطني؟ أم أفرح بالوطن ورجاله وقادته؟
ربما لا يحتاج السؤال إلى إجابة؛ فاليوم الوطني ليس يومًا منفصلًا عن الوطن، بل هو لحظة نتوقف فيها قليلًا لنتأمل: ماذا يعني أن يكون لك وطن؟ وماذا يعني أن تعيش آمنًا فيه؟ ومن يقف خلف هذا الأمن حين ننام ونستيقظ، ونذهب إلى أعمالنا، ويذهب أبناؤنا إلى مدارسهم، ثم نعود إلى بيوتنا مطمئنين؟
وقد تختصر رسالة صغيرة تصل إلى هاتفك كل هذه المعاني. يأتيك أولًا التنبيه:
"تتعرض المنطقة لتهديد جوي معادٍ…"
فتتغير اللحظة، وتترقب العيون، ويتفقد الأب أبناءه وأهل بيته، ويلتزم الجميع بالتعليمات.
ثم، بعد حين، يهتز هاتفك من جديد:
"تنبيه: زال الخطر عن المنطقة".
ثلاث كلمات فقط… لكنها ليست ثلاث كلمات عابرة.
فما الذي حدث بين الرسالتين؟
بين رسالتين… وطنٌ كامل لا ينام
بين «تهديد جوي معادٍ» و«زال الخطر عن المنطقة» عالمٌ كامل لا نراه.
هناك رجال في مواقعهم، وعيون ترصد السماء، وغرف عمليات لا تعرف النوم، وأجهزة ومنظومات تعمل، وقيادات تتابع، وخطط وُضعت قبل الخطر بسنوات، وتدريب طويل، وتجهيز واستعداد لا ينتظر لحظة الأزمة حتى يبدأ.
هناك من يسهر لكي تنام أنت.
ومن يراقب لكي تغمض عينيك مطمئنًا.
ومن يقف في موقعه بينما تجلس أنت آمنًا بين أبنائك.
وهناك، قبل كل ذلك وبعده، دولة جعلت أمن الإنسان وحماية الأرواح والمقدسات والممتلكات مسؤولية لا تتوقف عند ساعة أو ظرف.
وحين يصل التحذير إلى هاتفك، ثم يأتي بعده الإعلان عن زوال الخطر، فإن ما بين الرسالتين قد يكون سلسلة طويلة من الرصد والمتابعة والتنسيق والقرار والعمل الميداني؛ لا ترى منها شيئًا، لكنك ترى نتيجتها في بيتك وفي أسرتك وفي استمرار الحياة من حولك.
لهذا، في المرة القادمة التي تقرأ فيها:
"زال الخطر عن المنطقة"
لا تمر عليها سريعًا. توقف لحظة.
احمد الله أولًا، ثم تذكر أن وراء هذه الجملة رجالًا قد لا تراهم، وربما لن تعرف أسماءهم أبدًا، لكنك تعرف أثرهم: أنك وأهلك بخير.
الأمن ليس نعمة نتمتع بها فقط… بل مسؤولية نحملها
وهنا يأتي السؤال الآخر: وماذا علينا نحن؟
إن الولاء للوطن ليس كلمة تُقال في مناسبة، ولا علمًا نرفعه يومًا ثم نطويه، ولا صورةً ننشرها ثم نمضي.
الولاء سلوك ومسؤولية.
هو أن تدرك أن أمن وطنك يبدأ أيضًا منك؛ فتلتزم بالتعليمات، ولا تروّج الشائعة، ولا تنشر المعلومة قبل التثبت منها، ولا تصور مواقع الخطر، ولا تتحول ـ بقصد أو بغير قصد ـ إلى عين تخدم من يريد الإضرار بوطنك.
أن تكون مواطنًا صالحًا يعني أن تكون جزءًا من جدار الأمن، لا ثغرةً فيه.
والمقيم على هذه الأرض شريك كذلك في مسؤولية المحافظة على أمن المجتمع الذي يعيش فيه وينعم بخيراته وأمانه؛ بالالتزام بالنظام، واحترام التعليمات، والإبلاغ عما يهدد السلامة، والمحافظة على أمن البلاد ومقدراتها.
ومن الوفاء أن نزداد في مثل هذه الظروف تلاحمًا وإخلاصًا، وأن نلتف حول قيادتنا ووطننا، وأن نعرف لجنودنا ورجال أمننا وحرس حدودنا وكل من يقف في مواقع الدفاع والحماية قدرهم وفضلهم.
وأن نرفع أكف الدعاء لولاة أمرنا، ولرجال قواتنا المسلحة وأمننا، ولكل عين تسهر على حدود الوطن وسمائه وأرضه وبحره.
فالأوطان لا يحميها السلاح وحده؛ تحميها ـ بعد توفيق الله ـ قيادة واعية، ورجال مخلصون، وشعب متماسك، ومجتمع يعرف مسؤوليته ساعة الرخاء كما يعرفها ساعة الخطر.
وهنا… مكة والمدينة
ثم إن لهذه البلاد خصوصية لا تشبهها فيها أرض أخرى.
فهنا مكة المكرمة… وهنا المدينة المنورة.
هنا مهبط الوحي. هنا البيت العتيق الذي تتجه إليه وجوه المسلمين في صلواتهم من مشارق الأرض ومغاربها.
وهنا مسجد رسول الله محمد ﷺ، وهنا الأرض التي مشت عليها قدماه، وعاش فيها وصحابته، ومنها انطلقت رسالة الإسلام إلى العالم.
ولذلك فإن حماية هذه البلاد ليست حماية حدود ومدن ومنشآت وطرق فحسب؛ بل هي أيضًا شرف حماية أرضٍ تحتضن أقدس بقاع المسلمين، ويقصدها الملايين للحج والعمرة والصلاة والزيارة.
وهنا تصبح المسؤولية أعظم، والشرف أكبر.
إنها مسؤولية ولاة أمر هذه البلاد، ورجال قواتها المسلحة وأمنها، ومواطنيها والمقيمين على ترابها؛ وهي كذلك موضع دعاء وحرص كل مسلم صادق يتبع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ويحب الحرمين الشريفين ويتمنى لهما ولأهلهما وقاصديهما الأمن والسلام.
ويا له من شرف عظيم لمن يقف ليلةً يحرس أمن وطن، وفي قلب هذا الوطن مكة والمدينة.
ويا لها من نعمة عظيمة أن ينام الإنسان آمنًا في بيته، بينما هناك من يحمل مسؤولية حمايته؛ جندي على الحدود، ورجل أمن في الميدان، وطيار في السماء، ومراقب أمام شاشته، وقائد يتابع، ورجل يعمل في صمت لا ينتظر أن يعرف الناس اسمه ولا أن يشكروه.
كل هؤلاء، بعد حفظ الله وتوفيقه، يقفون حتى تبقى الحياة آمنة، وحتى يأتي ذلك التنبيه الذي نقرأه في ثوانٍ:
"زال الخطر عن المنطقة"
لذلك، حين يهتز هاتفك يومًا برسالة تحذير، ثم يأتي بعدها هذا التنبيه، فلا تقرأه بوصفه نهاية حالة طارئة فحسب.
اقرأ خلفه قصة وطن.
اقرأ فيه يقظة رجال، واستعداد مؤسسات، ومسؤولية قيادة ودولة، وطمأنينة ملايين.
واقرأ فيه نعمةً ربما لا نشعر بحجمها إلا عندما يقترب الخطر ثم يزول.
ثم ارفع بصرك إلى السماء وقل:
الحمد لله الذي حفظ بلادنا وأهلها.
اللهم احفظ خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده، واحفظ وطننا وأهله والمقيمين فيه، واحفظ جنودنا ورجال أمننا وحدودنا وسماءنا، واحفظ مكة والمدينة والحرمين الشريفين وقاصديهما، وردَّ عن بلادنا ومقدسات المسلمين كل سوء.
ثم ضع هاتفك جانبًا، وعُد إلى حياتك مطمئنًا…
لكن لا تنسَ أبدًا أن هناك، في مكان ما من هذا الوطن، عينًا بقيت ساهرة لكي تنام أنت، ورجلًا بقي في موقعه حتى يصلك ذلك التنبيه:
"زال الخطر عن المنطقة".
أ.د/ عبدالله بن محمد بن دميس القرني




التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً