في محراب إلـ آه
آهٍ
لم يسبق أن توقفت كثيراً أمام أي عنوان أطرحه أمامي للتفكر في معانيه أو التمعن في مفهومه، حتى يتانسب وزبدة " متن " الطرح، الذي سوف يكون مدرجاً تحته، فدائماً ما تختمر الفكرة، وتنضج في عجالة ثم تقدم على طبق للآكلين ، وعلى طريقة " الفاست فوود " خاصة أن " الطاعمون " عاوزين كِده .!
فعنوان هذا الموضوع، والمتربع على صدر هذه الصفحة، والموسوم بــ ( آه ) كما ترون، أفضى الى هذا (الطرح التهويمي) حول تلك الأداة العجيبة، قد كانت له بواعث كثيرة قديمة وحديثة؛
-وأمـا (*آه السيد عون، رحمه الله*) فهي الباعث الرئيس والمحرك الأصل لنا هنا؛ وهذا ما أستوقفني كثيراً، وقد كنت عزمت الهروب منه وتجاهل تبعاته؛ فالتعبير عن هذين "الحرفين" الغارقين في عتمة الهدوء، والضاربين في أعماق السكون، قد لا يكونا بالدرجة التي تستوفي جلالة المعنى الحقيقي لهما، وشدة الوطأة المؤلمة لوقعهما على النفس، والتي لايختلف عليهما اثنان او يتنازع خصمان .. ذلك أنهما يشكلان مفردة تعبيرية خاصة جداً لكل "ردة فعل" عميقة الضرب في خفايا الروح، وشديدة الحز في تفاصيل النفس، لهذا ( تعمدت، التعويل على كل من الروح والنفس، بسبب جهل الكَنْه الحقيقي لدورهما في معاشرة الألم ) مبتعداً قليلا عن " القلب " وهو الملك المتربع على عرش مملكة البدن " معنى وحساً " ذلك أنه في أحوال كثيرة نستطيع أن نلامس شغافه، ونداعب خواطره، ولو لزم الامر بمشرط جراح أو سبر منظار .... لذآ آليت على نفسي الابتعاد عنه هذه المرة، والرمي بكل هموم " الــ آه وأوجاع الـ تأوه " في كُنه غيره من الاسرار الإلهية، في هذا الكائن العجيب والمخلوق الغريب، ومع أن كل كائن يـتأوه وكل مخلوق يتألم، إلا أن الاقتصار على معاناة الانسان هو لمجرد الاحساس البشري بما يجانسه على الارض، وإلا ففي كل كبدٍ رطبٍ سرٌ للألمِ وفي كل خليةٍ حيةٍ معنى للـ آه ..! حتى الجماد، ولا يمكن لمخلوق قصرت فهومه عن ادراك اسرار خلق الله سبحانه وتعالى أن ينفي خاصية الاحساس والمشاعر لدى الجمادات فضلاً عن الاخياء، ولكن تبقى الكيفية لتلك العملية في علم " علام الغيوب " جل في علاه .
هذه المقدمة المعقدة، لم تكن لتأتي لولا توقفي كثيراً حائراً العقل وبائراً الحيلة أمام مفردة " آه " لهذا حاولت أن اترجم مدى التعقيد الشديد لتفسير المعنى الحقيقي لها أو رسم الصورة المقاربة لعملها في دواخلنا جميعاً صغارا وكبارا ذكورا واناثاً.
ولا أحد يجهل أن هناك " آهٌ " أخرى لاتمت للاولى بصلة في المعنى وإن كانت تشابها في اللفظ، ولكن بزيادة في طول النفس وتمدد في حبال الصوت، مع تمطط في مفاصل المتأوه، وهي ما أطلق عليها " دلوعة " الاهات، على كل حال هي ليست مناط كلامنا هنا .
ولسنا ايضاً بصدد معناها اللغوي ( التوجعي ) أو اللفظي اللساني ، وإنما نحاول البحث في مدلولها الحسي الخفي الكامن في جوف المتوجع، أو في مشاعر المتلقي، والى اي مدى يبلغ تأثيرها أبتداءاً، واثرها انتهاءاً .
.. فنحن : نلاحظ أن أي فعل يبدأ بهذه النغمة لابد أن يكون فعلا سيئاً أو أمراً محزناً ، وقد يكون نتيجة ردة فعل شديدة الوقع على المخلوق سواء أكان " شعوراً نفسياً، أو ألماً عضويا " وإن كانت في الثاني أشد ألماً وأكثر جرحاً، وقد نستطيع أن نرمم أثرها بمادة دوائية، كالبنج المخدر مثلاً، أو السائل المعقم، أو حتى لفة قماش تافهة يمكن أن تسد منابع تلك التأوهات وتقضي على مصادر الألم.!
أما "الآه" في معناها الاول أي : عندما تكون ردة فعل لكارثة روحية، أو مصيبة نفسية، فإن كل وسائل العلاج أو طرق التخفيف من أثرها تبقى مجرد محاولات ليس إلا؛ وهي في الواقع من باب المواساة التي يُحتمها الطبع الانساني في الكائن الحي، غير أنها لا تقدم أو تؤخر لدى المتألم سوى بالمجاملات أحياناً لرد جميلٍ أو شُكر إحسانٍ " أخلاقياً " لا غير .!!
وتختلف أيضاً مستويات تلك "الآهات" بأختلاف مستوى الوقوع على الجرح المعنوي، فمنها : ماهو مجرد حسرة وتحسر، ومنها ماهو للندم والتفريط ،،،،، ومنها ،،،، ومنها ،،،، الخ ، الخ …!
فكل مايخطر على البال من فوات مغنم أو بعد مطلب، أو عجز قوة، يمكن أن يكون مصدراً قوياً، وسبباً مبرراً لخروج تلك "النغمة التأسفية" الى عالم الذبذبات المحسوسة، وفضاء التجوال النفساني، وهي تنشأ مع ولادة الادمي فهو إذ -يَستهلُ صارخاً- مفتتحاً ذلك بالاه إياهاآ، وإذ يبتدي تعلم مراسيم التواصل يكون بالتأوه، ثم لايلبث أن يألفها وتألفه، ويمشيان معاً جنباً الى جنب في مشوار الحياة، وكَبَد الدنيا ونصب العيش، الى أن يودع الدنيا ملوحاً لها بالتعبير ذاته.!
-والحقيقة التي لا ينكرها أحد/ أن أشد معاني الــ " آه " هي تلك التي يكون مصدرها " القهر " وهذا الاخير هو وصف لشعور عميق في نفس الانسان، يحاربه بأشد وسائل الدفاع، ويدفعه بــ أقوى أسلحة الحرب، رغبة في العيش بسلام والحياة بسعادة، ويبقى يقاوم ويقاوم، ولكن للاسف أنه في أغلب الاحيان يعجز فيستسلم، ويظل أسيراً لكهذا شعور، حتى أنه يألفه في أكثر الحالات رغماً عن أنفه، وربما أن هذه احدى رحمات الله بعبده، وإلا لكان القهر قد قضى على كل البشر إلا قليلا .!
*وبعــد*- فكل " آه " قد تهون، وكل ألم قد يزول، إلا تلك التي تكون نتيجة لما وصفه التعبير القراني، في قوله تعالى { أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ}.
فاللهم رحمتك فلا تُسلمنا إلى آهات قهر الدنيا، ولا مآلات غبن الآخرة.





التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك رأيه في هذا الخبر
أضف تعليقاً